عمارة الثقافة في اوسلو بين صلابة الجبل وغضب البحر
اوسلو المدينة التي اود الرجوع اليها دائما (2)
عماد رمو Emad Rammo/ هولندا ديسمبر 2021
في حين ان لعالم الاجتماع ماسلو نظريته في هرمية حاجات الانسان وارتقاءه الى تحقيق ذاته، هكذا للمدن ايضا حاجتها الى الارتقاء بنفسها بعد ان تلبي حاجة ابنائها من اساسيات العيش من الامان والسلام ووفرة الماء والغذاء. هذه المدن الحية، ومنها اوسلو عاصمة النرويج، تبدأ البحث عن شواهد ثقافية عالية المستوى لابناء مدينتها وزوارها، واذا اردت ان تعرف كيف تتسلق المدن قمة الهرم الحضري التقدمي فعلينا البحث عن ذلك في عمارة الثقافة: المتاحف، المكتبات ودار الاوبرا ومراكز الموسيقى والرياضة.
المدينة الحية الحديثة المعاصرة هي ليست فقط للسكن والعمل والتسوق، ولكنها ايضا مدينة لتثقيف ابنائها في الفن والادب والموسيقى والرقص والكتابة والرياضة. وكما هو القلب مركز الحياة عند الانسان، فهكذا هي هذه المباني قلوب الحياة للمدينة الحديثة. المدينة تنبض فقط من خلال هذه القلوب الثقافية والتي تبث طاقة الحياة الى ابنائها ليل نهار. ومباني عمارة المجتمع هي روح ذاكرة المدينة. فعلا لكل مدينة حديثة متطورة ذاكرة في ما وصل ابنائها من ابداعات عالمية عالية في جميع فروع الثقافة العديدة.
المياه هي حقا نبض الحياة، ليس للانسان فقط ككائن طبيعي اجتماعي، ولكن ايضا للمدينة العضوية مثل اوسلو. البحر يغسل ويعمد المدينة اوسلو كل يوم. يغسلها من كل ما يلوث الحياة الثقافية فيها، وما شاهد العمارة فيها اليوم الا نهضة عالية كبيرة في الحياة الثقافية للأسلوي اليوم.
رغم اني زرعت ومع زملائي المعماريين اكثر من 100 منشأ معماري في بغداد، حيث كان دوري فيها ان اجعلها قوية شامخة صلبة ونصبية، وكيف يتم ذلك الا من خلال الحجر، الحجر الذي ولدت بقربه وعشت معه وغلفت فيه تلك المبان التسعينية في جميع احياء بغداد الثقافية. رغم ذلك، كنت اهتم في صلابته وشكله وجماله وقوته واصالته، ولكن لم يدر في بالي بان للحجر عطر خاص به. في اوسلو اكتشفت ذلك من خلال احد معارض متحف الفن الحديث. عشرات القطع من الحجارة النرويجية عرضت في صالة كبيرة عالية بيضاء بامكان المرء شم رائحة جميع العطور التي يالفها في حياته، وحتى تلك التي هي جديدة على حاسته، وكيف لا، فان حواسنا اغلبها قد انتهت صلاحيتها، ومع ذلك فان هذا المعرض سيبقى عالقا ليس في ذاكرتي البصرية فقط ولكن في ذاكرتي الشمية-الحسية الضعيفة. هكذا يكون الابداع. ان تجعل للحجر عطر هو فن بحق ذاته. اليوم بامكاني ان اجزم بان حجارة الحقل عندنا كان لها رائحة اخرى تختلف عن رائحة الجبل والوادي، ورائحة البيوت الحجرية تعتمد على المكان الذي شيدت فيه وتاثير المناخ وبكل عناصره عليها. اي ربما بامكاننا ان نقول بان رائحة الازقة ايضا تعتمد على عمقها الزمني. هكذا كنت اجد بان رائحة الحجر كانت تختلف كلما اقتربنا من مركز المدينة.
قبل اكثر من عقد من الزمان زرت اوسلو للمرة الثانية، حينها كانت الرافعات الشاهقة مشغولة في بناء المركز الثقافي الكبير للعاصمة اوسلو. ولاحظت في زيارتي الاخيرة كيف ان هذا القلب اصبح الان ينبض بدماء ثقافية حديثة معاصرة. ليس في العمارة وحدها ولكن في جميع اوجه الثقافة.
لنتسائل انفسنا: كم من الوقت نمنح للثقافة مقارنة بالوقت الذي نمنحه للعبادة؟ في حين ان العبادة مهمة جدا لغسل الروح من عفونة الجسد، هكذا الثقافة تغسل الفكر من هموم المادة. العبادة تحرر العقل من سطوة المادة وهكذا هي الثقافة ايضا. ربما كان الدين قبل قرن من الزمن هو العبادة والثقافة معا، ولكن اليوم اصبح للثقافة معابدها الخاصة، بل اصبح لها اليوم نفس عمل الدين ايضا. الطقوس الدينية هي ايضا طقوس ثقافية، حيث من خلال هذه الطقوس المدروسة من جميع النواحي: اللغوية، الموسيقية، الحركية والفنية انجزت وحقق الكمال للانسان في قرون عديدة لم تكن معابد الثقافة قد انشات بعد. فاذا نظرنا الى الكنيسة بمنظور نصف قرن مضى، واقارنها اليوم مع معابد الثقافة اليوم، اجد ان دورها الاساسي كان ايضا زرع ثقافة الكمال في الموسيقى واللحن والكلمة والشكل. الكنيسة كانت مسرح ديني كامل ليس فقط لاداء الطقوس الدينية فقط ولكن ايضا لكي تكون هذه الطقوس قد اديت بتكامل ثقافي عال جدا.
بعد السلطة المالية والاجتماعية تعتبر “الثقافة” السلطة الثالثة في حياة الفرد والمدينة. لا توجد مدينة متحضرة عصرية يتمركز فيها المال والمجتمع من دون ان تكون الثقافة حاضرة في متاحفها، جامعاتها، مكتباتها، مراكزها الموسيقية ومنشأت الثقافية العامة الاخرى.
في جميع المدن الاخرى والتي زرتها كنت احدد برنامج الزيارة بالاطلاع على معالمها التاريخية وشواخصها العالمية ثم الاتجاه الى الاماكن المعمارية الحديثة. واتذكر بان زيارتنا الى عاصمة الدانمارك كوبنهاغن وقبل عدة سنين افضل مثال لذلك البرنامج الناجح حيث هناك ايضا شواخض تاريخية كثيرة اضافة الى عمارتها الحديثة البديعة والبحر الذي يلاطم ضفافها بحيث تدخل القنوات الى داخل قلبها التاريخي والشعبي كذلك. ايضا هنا في النرويج، وخاصة في عاصمتها اوسلو، حققت الكثير من اسسيات ذلك البرنامج، ولكن يمكن القول بانه اضيف اليه صفة اجتماعية انسانية قريبة من المجتمع الاوسلوي وخاصة مع علاقته وارتباطه بالعمق العراقي-الالقوشي فيه. وهذا ما يجب ان اذكره في هذا التوثيق بان عائلة اسمرو الالقوشية ومتمثلة بالاخوة عابد (اودا) وفرج ايسف بولا اسمرو هم من الاوائل الذين شكلوا اللبنة الاساسية لتكوين هذا المجتمع والذي تميز باستقطاب الكثير من الاقارب والاصدقاء سواء عن طريق الهجرة او الزواج او لم شم العوائل. ولغاية اليوم فان الجالية العراقية بفرعها الالقوشي ربما هي من الجاليات الحاضرة والمؤثرة في الكثير من احداث المجتمع هنا. ولكي اشير الى مثال على ذلك فان الجميع يعرف بان جميع جوائز النوبل تمنح في السويد (استوكهولم) عدا جائزة السلام فانها تمنح من اوسلو النرويجية. والمكان الذي تمنح فيه ساقوم بشرحه بالتفصيل ولكن الذي شدني اليه ان اهم جائزة للسلام في عهدنا نحن تعتبر جائزة السلام لعام 1994م. وربما يتسائل البعض لماذا فقط لهذه السنة؟ والجواب سهل لانها منحت حينها للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ومثيله الاسرائيلي شمعون بيريز/اسحق رابين. الهدف منها كان البدء في مشروع السلام العربي-الاسرائيلي والذي نرى اليوم الكثير من الدول قد بدأت تعيد حساباتها السياسية القديمة مع اسرائيل من اجل المستقبل. المهم ان احد المدعويين لحضور حفل منح هذه الجائزة كان رجل الاعمال الخال فرج ايسف بولص اسمرو احد الحاضرين يوم 10 ديسمبر من تلك السنة وهو اليوم المحدد للاحتفال بها. وربما اجزم بانه من اوائل العراقيين الذين حضروا هذا الاحتفال من غير السلك الدبلوماسي والسياسي. وقد وصف لي الخال فرج ذلك الاحتفال البهيج وخاصة عندما دخلنا هذا المبنى الكاتدرالي الشهير هنا في اوسلو. واول مسابقة معمارية لتصميم هذا المبنى تمت عام 1915م ولكن المباشرة بالبناء كان عام 1931 مما حدا بالفائزين المعماري Arnstein Arneberg والمعماري Magnus Poulsson ان يقوما بتحديث تصميمها من الناحية الوظيفية واضافة البرجان الشهيران له. الاحتلال النازي والحرب العالمية الثانية ساهما في تاخير تنفيذ هذا العمل بحيث اكتمل عام 1950م في الذكرى المئوية التاسعة لمدينة اوسلو. وفي الوقت الحاضر يبدو ان مبنى بلدية اوسلو كان من اشهر معالمها (ولغاية انشاء مبنى الاوبرا الحديث) وقد اتخذ شهرته العالمية من الاحتفال السنوي لمنح جائزة النوبل للسلام.
واهم جزء من تصميم وفكرة هذا المبنى ان يتم تصميمه الداخلي من قبل اهم فناني هذه المدينة. وموضوع هذا الفن كان “الشعب” في كل ابعاد هذه الكلمة. وهذا ما تم فعلا في الجداريات الفنية الملونة التي اكتست جدران القاعة الرئيسية المركزية في مبنى بلدية اوسلو. وفي المركز الاول جاءت اعمال الفنان التشكيلي Henrik SØrensen وAlf Rolfsen حيث كانت مسؤوليتهم الاولى رسم لوحات عن الشعب النرويجي. اما جداريات الفنان Karl HØberg فكانت عن التجارة والصناعة في اوسلو والتي حصل انتقاد كبير لها الى ان جاءت جداريات الفنان Reidar Aulie والتي رسم فيها “تاريخ الحركة العمالية” في النرويج. وكذلك كان للحرب والاحتلال مكانة في جداريات هذا المبنى من خلال الفنانAlf Rolfsen. وللاسف لم يكن بامكاننا من زيارة كافة فناءات وفضاءات هذا المبنى الجميل ليس معماريا فقط ولكن فنيا وتشكيليا بحيث اصبح المكان المناسب لمراسيم الزواج النرويجية التقليدية حيث مجاميع كثيرة من العرسان ومعهم العائلة والاهل والاصدقاء والنساء غالبا في ملابسهم التراثية الجميلة والتي تختلف من محافظة الى اخرى. وباسلوبها المعماري المتميز والذي دمج بين “النيوكلاسيك” ومدرسة “الباهاوس” في هويتها تعتبر هذه الدار من اجمل ما تحتضنه اوسلو من العمارة الحديثة. لقد مثلت العمارة باسلوبها وبتماثيلها ونصبيتها وحرفية اعمال الطابوق اليدوية ومع جدارياتها الخارجية والداخلية الزمن والتاريخ والمجتمع والثقافة التي شملته. انها جزء من ثقافة الانسان في ذلك الزمان. زمن التحولات الكبيرة ليس فقط في العمارة والثقافة والمجتمع ولكن ايضا في السياسة والاقتصاد والصناعة والعمل. هكذا مبنى واحد يمثل سيرة مدينة باسرها.
عمارة اوبرا اوسلو
في النرويج والقوش ، يبدو تسلق الجبال طبيعيًا تمامًا – فلماذا لا تُتسلق المباني أيضًا؟ لم يكن عندنا تسلق الجبل من اجل النزهة او الاستجمام بل كان الجبل جزء من الطبيعة المحيطة بنا، فهو جزء منا ونحن جزء منه. ويكبر الانسان في القوش ويكبر الجبل معه ايضا، فكلما تقدم به العمر كلما ازدادت جغرافيته الجبلية وتعلم فن التسلق الى الجبل. وليس كل هذا العدد الكبير من الطرق الجبلية-البطيئة في جبل القوش الا دليل مادي على حب الالقوشيين للجبل، فهو قد صنع الكثير من هويتهم الطبيعية والفكرية بحيث اجسامنا وملابسنا واحذيتنا قد تطوعت مع ميلان الجبل، ليس هذا فقط بل ان الجبل كان مصدرا ومنبعا اقتصاديا طبيعيا لمربي المواشي حيث المراعي التي لا تنضب. اضافة ان الجبل كان يجذب الكثير من شبابنا في الخمسينات والستينات من القرن الماضي للاقامة فيه بعض السنين فاكثر شباب تلك العقود اشتروا البندقية ونزعوا ملابسهم المدنية وارتدوا الملابس التراثية-التقليدية من اجل التطوع الفكري والذي كان غالبا في الاتجاه الشيوعي-اليساري.
هكذا اصبح الجبل ليس لي فقط ولكن للكثير من المعماريين-المصممين استلهاما لافكارهم التصميمية ومنها عمارة الاوبرا في اوسلو. النرويجيون ايضا اصبح الجبل جزء من هويتهم بحيث يتسلقونه صيفا وشتاءً وايضا قاموا باستغلاله اقتصاديا وثقافيا. اما في اوسلو فان عمارة الاوبرا والتي انتهى تشييدها عام 2008م هي نموذج اخر لتحقيق الهوية الطبيعية-الثقافية لبلد ما في عمارته. هنا بامكان الاوسلوي من تسلق الجبل من خلال الصعود الهاديء من محيط الاوبرا الى سطحها الساحر. هنا في اوسلو لا يمنع الصعود الى سطح العمارة، ولكن هنا فقط في عمارة الاوبرا.
الاختلافات الدقيقة في هيكل السطح المصقول بالرخام الابيض تحمل توقيع الفنانين النرويجيين كريستيان بليستاد وكالي غرود وجورون سانز، مما يوفر سطحًا لامعًا من المفترض السير عليه وعندما تفعل ذلك، لا تنس أن تحت قدميك ثلاثة مشاهد مختلفة تمامًا، وعدد لا يحصى من الأماكن العامة والقاعات، ومكان العمل النابض بالحياة لأكثر من 600 متخصص في الأوبرا والباليه. صُمم هذا الهيكل المعماري للمشي، وهو أيضًا مكان للجلوس رائع بشكل غير متوقع. يتيح لك الهيكل المبتكر للأوبرا، بسقفه الرخامي، رؤية المدينة من زوايا مختلفة بشكل مدهش. على يمينك: أرخبيل المضيق البحري مع منازل صيفية تقليدية صغيرة بألوان زاهية ومتفائلة. على يسارك: نظرة عامة سريعة على قلب أوسلو. أبعد من ذلك: التلال والجبال الخيالية المحيطة بالعاصمة الأسرع نموًا في أوروبا.
تستضيف أوسلو أوبرا مجموعة متنوعة من العروض المسرحية في الهواء الطلق والحفلات الموسيقية وغيرها من الأحداث على مدار العام. كمكافأة إضافية، من خلال هيكله يعيد المبنى الساحل إلى السكان والزوار. اما في الداخل يعد التصميم الخشبي للمبنى – غير المعتاد جدًا بالنسبة لدار الأوبرا – إشارة إلى الطبيعة والتاريخ النرويجيين. من الواضح أن شكل حدوة الحصان للقاعة الكبرى مستوحى من المسارح الكلاسيكية في العصور القديمة. الشاشة الكبيرة للمسرح من تصميم الفنان باي وايت. لقد ساعد الاهتمام الإعلامي الكبير في كثير من الأحيان بهندسة الأوبرا العديد من مطربي الأوبرا وراقصات الباليه المشهورين عالميًا على القدوم إلى أوسلو. وبالتالي، فإن المجموعة المتغيرة باستمرار تتكون دائمًا من مزيج خصب من الفنانين ذوي الأسماء والشهرة الوطنية والدولية. يشعر بعض الناس أن الأوبرا الكلاسيكية أو قطعة الباليه يجب أن تظل قريبة من التفسير الأصلي قدر الإمكان. لا يزال آخرون مهتمين أكثر بإعادة تصورها بشكل جريء. تقدم دار الأوبرا هذه كلا النهجين، ومنذ افتتاحها في عام 2008، اشتهرت دار الأوبرا الوطنية النرويجية ودار الباليه بتنوعها اللامتناهي من العروض. في الداخل، تحتوي الأوبرا على مساحة ضخمة ذات تصميمات مذهلة، وهي مفتوحة للجمهور. ولإنشاء أسطح استثنائية، عمل المهندسون المعماريون في Snøhetta بشكل وثيق مع الفنانين. أحد الأمثلة العديدة للتصميم الذكي المذهل من قبل فنانين مختلفين هو الجدار المثقوب وهو من تصميم أولافور إلياسون Olafur Eliasson. العمارة الحديثة في اوسلو متمثلة في هذا المبنى الجديد الجميل، والذي فكرته ليست مستوحى من المباني الشهيرة السابقة، بل من الطبيعة النرويجية.
الفن الحديث: متحف أستروب فيرنلي
دار الأوبرا ليست المبنى الوحيد المثير للإعجاب على ساحل أوسلو. على بعد أميال قليلة من متحف الفن الحديث الرائد، أستروب فيرنلي. المبنى صممه رينزو بيانو الشهير ويتكون من ثلاثة مبانٍ. في إحداها يمكنك الإعجاب (جزء من) المجموعة الدائمة، وفي أخرى يمكنك زيارة المعارض المؤقتة وفي الثالث يمكنك رؤية المكاتب. يتناسب المبنى نفسه بالتأكيد مع بيئته على المرفأ: يمكنك أن ترى بوضوح أن المهندس المعماري استوحى إلهامه من القوارب التي تدخل الميناء. ستجد حول المتحف أيضًا منتزه Tjuvholmen Sculpture ، الذي صممه أيضًا المعماري الايطالي الشهير Renzo Piano. ستجد في حديقة التماثيل هذه منحوتات لبول مكارتني، من بين آخرين.
ليس المبنى وحده يمثل عمارة البحر في هذه المنطقة ولكن ايضا المنطقة باكملها قد صممت لتكون الحالة الوسطية بين البحر والجبل. التوزيع الفضائي لقاعات هذا المتحف قد تم صياغتها بعناية كبيرة بحيث تناسب الفن الحديث الذي يعرض هنا من اعمال كبيرة تحتاج الى فضاءات عالية كبييرة وقد اجاد فيها المعماري رينزو بيانو في هذه النقطة بحيث اصبح المتحف جزء من التصميم الحضري لهذه المنطقة، ليس مبنى من كتلة واحدة وكما هو الحال في متحف مونش الحديث ولكن متحفا تتحرك صالاته بين امواج البحر هنا. ان الفكرة المعمارية للمبنى مستوحى من شكل السفن والزوارق حيث بالامكان من رؤية تفاصيل هذه السفن في عمارة هذا المبنى وخاصة الحركات الشراعية فيه والصرايا والحبال التي هي جزء من تصميمه المعماري والانشائي اضافة الى استعماله لمادة الخشب بكثافة كبيرة.
وكما اشرت في المقدمة فان احد المعارض الدائمية كان حول رائحة الامكان والمواد ومنها الحجارة النرويجية. والمتحف باكمله قامت بانشاءه العائلة النرويجية Fearnley عام 1993م وهو من المتاحف الاهلية (ليس للدولة) في النرويج. وهذا بحد ذاته يشكل الهوية الثقافية لاوسلو واهتمامه بالفن ليس من خلال الدولة ولكن من خلال المجتمع. وعندنا ايضا اذا تم بناء المتاحف والمكاتب ودور الموسيقى بقدر دور العبادة اليوم سيكون ذلك بداية موفقة جديد من اجل مستقبل ثقافي حضاري.
العمارة البلجيكية في أوسلو: ساحة التزلج الوطنية هولمينكولين
التزحلق على الجليد هو شيء تتعلمه كنرويجي منذ الطفولة: يقولون أحيانًا أن النرويجيين يولدون بزلاجات / على زلاجات. لا أعرف ما إذا كان هذا الأخير صحيحًا حقًا، لكن الحقيقة أن هذه هي الرياضة الأكثر شعبية في البلاد. خارج أوسلو مباشرةً، ستجد ساحة هولمينكولين للتزلج ليس فقط مع منحدرات مختلفة، ولكن أيضًا متحف تزلج حقيقي وقفزة تزلج مثيرة للإعجاب. من خلال مرشدي الاوسلوي الاول الخال فرج، قمت بزيارة الهضبة أعلى البرج لإطلالة جميلة على أوسلو والمياه والغابات في المنطقة. تم تصميم قفزة التزلج الرائعة من قبل المهندس المعماري البلجيكي جوليان دي سميدت: من يجرؤ على تسلق الوثب العالي الذي يبلغ ارتفاعه 134 مترًا؟ والان هذه الهضبة هي قبلة سكان اوسلو جميعهم وفي الحي الذي اقمت فيه كانت اكثر المساكن الحديثة قد وجهت شرفاتها الى هذا المبنى المعماري الجميل. وهكذا ايضا لدى الخال فرج اسمرو طموح معماري في المستقبل لصياغة تصميم يلائم الموقع النادر لمسكنه الجميل والذي يقع على سفح هذه القمة المتميزة في اوسلو. وقبل ايام قليلة ارسل لي مرشدي الثاني ابن عمي وسيم رمو بعض الافلام التي توثق عملية تغطية الوقع باكمله بالثلج حيث مضخات كبيرة تقوم وباستمرار ضخ الثلج الطبيعي-الاصطناعي ليغطي هكتارات عديدة بالثلج الساحر حيث تقام هنا سنويا مسابقات محلية-دولية-عالمية في التزحلق والتزلج على الثلج.
ربما كنت محظوظا جدا في زيارتي الى اوسلو هذه المرة. عندما كنت في اوسلو لم يكن “اوميكرون” قد ولد بعد بحيث ان كل شيء كان طبيعيا، الناس تمشي زرافات زرافات والاماكن العامة مكتضة ولا احد يضع الكمامة على فمه. ولكن الان ليس فقط في اوسلو ولكن في جميع المدن اصبح التنقل بينها من اصعب الامور. فعلا ان بعض القرارات الشخصية قد تكون ناجحة اذا كان الهدف منها الاستمتاع بلذة اللقاءات مع المدينة والاهل فكم تكلمنا في الماضي ونحن في الحاضرK وكم رأينا من حولنا اماكن رائعة في افكارها هي اليوم “مستقبلية” ولكن ربما بعد عقد من اليوم سنرى امكان اخرى جميلة مثلها وربما سيكون عنوانها “بعد المستقبل”.
وكم كنت سعيدا بقضاء تلك اللحظات المعمارية-الثقافية-الاجتماعية في اوسلو وخاصة مع ابناء الواحة الالقوشية فيها تمثلهم شخصيات لها وزنها الاجتماعي والثقافي والانساني في رسم خطوط هذه الواحة.


































































































































