عمارة الثقافة في اوسلو بين صلابة الجبل وغضب البحر

عمارة الثقافة في اوسلو بين صلابة الجبل وغضب البحر
اوسلو المدينة التي اود الرجوع اليها دائما (2)
عماد رمو Emad Rammo/ هولندا ديسمبر 2021

في حين ان لعالم الاجتماع ماسلو نظريته في هرمية حاجات الانسان وارتقاءه الى تحقيق ذاته، هكذا للمدن ايضا حاجتها الى الارتقاء بنفسها بعد ان تلبي حاجة ابنائها من اساسيات العيش من الامان والسلام ووفرة الماء والغذاء. هذه المدن الحية، ومنها اوسلو عاصمة النرويج، تبدأ البحث عن شواهد ثقافية عالية المستوى لابناء مدينتها وزوارها، واذا اردت ان تعرف كيف تتسلق المدن قمة الهرم الحضري التقدمي فعلينا البحث عن ذلك في عمارة الثقافة: المتاحف، المكتبات ودار الاوبرا ومراكز الموسيقى والرياضة.
المدينة الحية الحديثة المعاصرة هي ليست فقط للسكن والعمل والتسوق، ولكنها ايضا مدينة لتثقيف ابنائها في الفن والادب والموسيقى والرقص والكتابة والرياضة. وكما هو القلب مركز الحياة عند الانسان، فهكذا هي هذه المباني قلوب الحياة للمدينة الحديثة. المدينة تنبض فقط من خلال هذه القلوب الثقافية والتي تبث طاقة الحياة الى ابنائها ليل نهار. ومباني عمارة المجتمع هي روح ذاكرة المدينة. فعلا لكل مدينة حديثة متطورة ذاكرة في ما وصل ابنائها من ابداعات عالمية عالية في جميع فروع الثقافة العديدة.

المياه هي حقا نبض الحياة، ليس للانسان فقط ككائن طبيعي اجتماعي، ولكن ايضا للمدينة العضوية مثل اوسلو. البحر يغسل ويعمد المدينة اوسلو كل يوم. يغسلها من كل ما يلوث الحياة الثقافية فيها، وما شاهد العمارة فيها اليوم الا نهضة عالية كبيرة في الحياة الثقافية للأسلوي اليوم.


رغم اني زرعت ومع زملائي المعماريين اكثر من 100 منشأ معماري في بغداد، حيث كان دوري فيها ان اجعلها قوية شامخة صلبة ونصبية، وكيف يتم ذلك الا من خلال الحجر، الحجر الذي ولدت بقربه وعشت معه وغلفت فيه تلك المبان التسعينية في جميع احياء بغداد الثقافية. رغم ذلك، كنت اهتم في صلابته وشكله وجماله وقوته واصالته، ولكن لم يدر في بالي بان للحجر عطر خاص به. في اوسلو اكتشفت ذلك من خلال احد معارض متحف الفن الحديث. عشرات القطع من الحجارة النرويجية عرضت في صالة كبيرة عالية بيضاء بامكان المرء شم رائحة جميع العطور التي يالفها في حياته، وحتى تلك التي هي جديدة على حاسته، وكيف لا، فان حواسنا اغلبها قد انتهت صلاحيتها، ومع ذلك فان هذا المعرض سيبقى عالقا ليس في ذاكرتي البصرية فقط ولكن في ذاكرتي الشمية-الحسية الضعيفة. هكذا يكون الابداع. ان تجعل للحجر عطر هو فن بحق ذاته. اليوم بامكاني ان اجزم بان حجارة الحقل عندنا كان لها رائحة اخرى تختلف عن رائحة الجبل والوادي، ورائحة البيوت الحجرية تعتمد على المكان الذي شيدت فيه وتاثير المناخ وبكل عناصره عليها. اي ربما بامكاننا ان نقول بان رائحة الازقة ايضا تعتمد على عمقها الزمني. هكذا كنت اجد بان رائحة الحجر كانت تختلف كلما اقتربنا من مركز المدينة.

قبل اكثر من عقد من الزمان زرت اوسلو للمرة الثانية، حينها كانت الرافعات الشاهقة مشغولة في بناء المركز الثقافي الكبير للعاصمة اوسلو. ولاحظت في زيارتي الاخيرة كيف ان هذا القلب اصبح الان ينبض بدماء ثقافية حديثة معاصرة. ليس في العمارة وحدها ولكن في جميع اوجه الثقافة.

لنتسائل انفسنا: كم من الوقت نمنح للثقافة مقارنة بالوقت الذي نمنحه للعبادة؟ في حين ان العبادة مهمة جدا لغسل الروح من عفونة الجسد، هكذا الثقافة تغسل الفكر من هموم المادة. العبادة تحرر العقل من سطوة المادة وهكذا هي الثقافة ايضا. ربما كان الدين قبل قرن من الزمن هو العبادة والثقافة معا، ولكن اليوم اصبح للثقافة معابدها الخاصة، بل اصبح لها اليوم نفس عمل الدين ايضا. الطقوس الدينية هي ايضا طقوس ثقافية، حيث من خلال هذه الطقوس المدروسة من جميع النواحي: اللغوية، الموسيقية، الحركية والفنية انجزت وحقق الكمال للانسان في قرون عديدة لم تكن معابد الثقافة قد انشات بعد. فاذا نظرنا الى الكنيسة بمنظور نصف قرن مضى، واقارنها اليوم مع معابد الثقافة اليوم، اجد ان دورها الاساسي كان ايضا زرع ثقافة الكمال في الموسيقى واللحن والكلمة والشكل. الكنيسة كانت مسرح ديني كامل ليس فقط لاداء الطقوس الدينية فقط ولكن ايضا لكي تكون هذه الطقوس قد اديت بتكامل ثقافي عال جدا.

بعد السلطة المالية والاجتماعية تعتبر “الثقافة” السلطة الثالثة في حياة الفرد والمدينة. لا توجد مدينة متحضرة عصرية يتمركز فيها المال والمجتمع من دون ان تكون الثقافة حاضرة في متاحفها، جامعاتها، مكتباتها، مراكزها الموسيقية ومنشأت الثقافية العامة الاخرى.    

في جميع المدن الاخرى والتي زرتها كنت احدد برنامج الزيارة بالاطلاع على معالمها التاريخية وشواخصها العالمية ثم الاتجاه الى الاماكن المعمارية الحديثة. واتذكر بان زيارتنا الى عاصمة الدانمارك كوبنهاغن وقبل عدة سنين افضل مثال لذلك البرنامج الناجح حيث هناك ايضا شواخض تاريخية كثيرة اضافة الى عمارتها الحديثة البديعة والبحر الذي يلاطم ضفافها بحيث تدخل القنوات الى داخل قلبها التاريخي والشعبي كذلك. ايضا هنا في النرويج، وخاصة في عاصمتها اوسلو، حققت الكثير من اسسيات ذلك البرنامج، ولكن يمكن القول بانه اضيف اليه صفة اجتماعية انسانية قريبة من المجتمع الاوسلوي وخاصة مع علاقته وارتباطه بالعمق العراقي-الالقوشي فيه. وهذا ما يجب ان اذكره في هذا التوثيق بان عائلة اسمرو الالقوشية ومتمثلة بالاخوة عابد (اودا) وفرج ايسف بولا اسمرو هم من الاوائل الذين شكلوا اللبنة الاساسية لتكوين هذا المجتمع والذي تميز باستقطاب الكثير من الاقارب والاصدقاء سواء عن طريق الهجرة او الزواج او لم شم العوائل. ولغاية اليوم فان الجالية العراقية بفرعها الالقوشي ربما هي من الجاليات الحاضرة والمؤثرة في الكثير من احداث المجتمع هنا. ولكي اشير الى مثال على ذلك فان الجميع يعرف بان جميع جوائز النوبل تمنح في السويد (استوكهولم) عدا جائزة السلام فانها تمنح من اوسلو النرويجية. والمكان الذي تمنح فيه ساقوم بشرحه بالتفصيل ولكن الذي شدني اليه ان اهم جائزة للسلام في عهدنا نحن تعتبر جائزة السلام لعام 1994م. وربما يتسائل البعض لماذا فقط لهذه السنة؟ والجواب سهل لانها منحت حينها للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ومثيله الاسرائيلي شمعون بيريز/اسحق رابين. الهدف منها كان البدء في مشروع السلام العربي-الاسرائيلي والذي نرى اليوم الكثير من الدول قد بدأت تعيد حساباتها السياسية القديمة مع اسرائيل من اجل المستقبل. المهم ان احد المدعويين لحضور حفل منح هذه الجائزة كان رجل الاعمال الخال فرج ايسف بولص اسمرو احد الحاضرين يوم 10 ديسمبر من تلك السنة وهو اليوم المحدد للاحتفال بها. وربما اجزم بانه من اوائل العراقيين الذين حضروا هذا الاحتفال من غير السلك الدبلوماسي والسياسي. وقد وصف لي الخال فرج ذلك الاحتفال البهيج وخاصة عندما دخلنا هذا المبنى الكاتدرالي الشهير هنا في اوسلو. واول مسابقة معمارية لتصميم هذا المبنى تمت عام 1915م ولكن المباشرة بالبناء كان عام 1931 مما حدا بالفائزين المعماري Arnstein Arneberg والمعماري Magnus Poulsson ان يقوما بتحديث تصميمها من الناحية الوظيفية واضافة البرجان الشهيران له. الاحتلال النازي والحرب العالمية الثانية ساهما في تاخير تنفيذ هذا العمل بحيث اكتمل عام 1950م في الذكرى المئوية التاسعة لمدينة اوسلو. وفي الوقت الحاضر يبدو ان مبنى بلدية اوسلو كان من اشهر معالمها (ولغاية انشاء مبنى الاوبرا الحديث) وقد اتخذ شهرته العالمية من الاحتفال السنوي لمنح جائزة النوبل للسلام.

واهم جزء من تصميم وفكرة هذا المبنى ان يتم تصميمه الداخلي من قبل اهم فناني هذه المدينة. وموضوع هذا الفن كان “الشعب” في كل ابعاد هذه الكلمة. وهذا ما تم فعلا في الجداريات الفنية الملونة التي اكتست جدران القاعة الرئيسية المركزية في مبنى بلدية اوسلو. وفي المركز الاول جاءت اعمال الفنان التشكيلي Henrik SØrensen وAlf Rolfsen حيث كانت مسؤوليتهم الاولى رسم لوحات عن الشعب النرويجي. اما جداريات الفنان Karl HØberg فكانت عن التجارة والصناعة في اوسلو والتي حصل انتقاد كبير لها الى ان جاءت جداريات الفنان Reidar Aulie والتي رسم فيها “تاريخ الحركة العمالية” في النرويج. وكذلك كان للحرب والاحتلال مكانة في جداريات هذا المبنى من خلال الفنانAlf Rolfsen. وللاسف لم يكن بامكاننا من زيارة كافة فناءات وفضاءات هذا المبنى الجميل ليس معماريا فقط ولكن فنيا وتشكيليا بحيث اصبح المكان المناسب لمراسيم الزواج النرويجية التقليدية حيث مجاميع كثيرة من العرسان ومعهم العائلة والاهل والاصدقاء والنساء غالبا في ملابسهم التراثية الجميلة والتي تختلف من محافظة الى اخرى. وباسلوبها المعماري المتميز والذي دمج بين “النيوكلاسيك” ومدرسة “الباهاوس” في هويتها تعتبر هذه الدار من اجمل ما تحتضنه اوسلو من العمارة الحديثة. لقد مثلت العمارة باسلوبها وبتماثيلها ونصبيتها وحرفية اعمال الطابوق اليدوية ومع جدارياتها الخارجية والداخلية الزمن والتاريخ والمجتمع والثقافة التي شملته. انها جزء من ثقافة الانسان في ذلك الزمان. زمن التحولات الكبيرة ليس فقط في العمارة والثقافة والمجتمع ولكن ايضا في السياسة والاقتصاد والصناعة والعمل. هكذا مبنى واحد يمثل سيرة مدينة باسرها.    

عمارة اوبرا اوسلو

في النرويج والقوش ، يبدو تسلق الجبال طبيعيًا تمامًا – فلماذا لا تُتسلق المباني أيضًا؟ لم يكن عندنا تسلق الجبل من اجل النزهة او الاستجمام بل كان الجبل جزء من الطبيعة المحيطة بنا، فهو جزء منا ونحن جزء منه. ويكبر الانسان في القوش ويكبر الجبل معه ايضا، فكلما تقدم به العمر كلما ازدادت جغرافيته الجبلية وتعلم فن التسلق الى الجبل. وليس كل هذا العدد الكبير من الطرق الجبلية-البطيئة في جبل القوش الا دليل مادي على حب الالقوشيين للجبل، فهو قد صنع الكثير من هويتهم الطبيعية والفكرية بحيث اجسامنا وملابسنا واحذيتنا قد تطوعت مع ميلان الجبل، ليس هذا فقط بل ان الجبل كان مصدرا ومنبعا اقتصاديا طبيعيا لمربي المواشي حيث المراعي التي لا تنضب. اضافة ان الجبل كان يجذب الكثير من شبابنا في الخمسينات والستينات من القرن الماضي للاقامة فيه بعض السنين فاكثر شباب تلك العقود اشتروا البندقية ونزعوا ملابسهم المدنية وارتدوا الملابس التراثية-التقليدية من اجل التطوع الفكري والذي كان غالبا في الاتجاه الشيوعي-اليساري.

هكذا اصبح الجبل ليس لي فقط ولكن للكثير من المعماريين-المصممين استلهاما لافكارهم التصميمية ومنها عمارة الاوبرا في اوسلو. النرويجيون ايضا اصبح الجبل جزء من هويتهم بحيث يتسلقونه صيفا وشتاءً وايضا قاموا باستغلاله اقتصاديا وثقافيا. اما في اوسلو فان عمارة الاوبرا والتي انتهى تشييدها عام 2008م هي نموذج اخر لتحقيق الهوية الطبيعية-الثقافية لبلد ما في عمارته. هنا بامكان الاوسلوي من تسلق الجبل من خلال الصعود الهاديء من محيط الاوبرا الى سطحها الساحر. هنا في اوسلو لا يمنع الصعود الى سطح العمارة، ولكن هنا فقط في عمارة الاوبرا.

الاختلافات الدقيقة في هيكل السطح المصقول بالرخام الابيض تحمل توقيع الفنانين النرويجيين كريستيان بليستاد وكالي غرود وجورون سانز، مما يوفر سطحًا لامعًا من المفترض السير عليه وعندما تفعل ذلك، لا تنس أن تحت قدميك ثلاثة مشاهد مختلفة تمامًا، وعدد لا يحصى من الأماكن العامة والقاعات، ومكان العمل النابض بالحياة لأكثر من 600 متخصص في الأوبرا والباليه. صُمم هذا الهيكل المعماري للمشي، وهو أيضًا مكان للجلوس رائع بشكل غير متوقع. يتيح لك الهيكل المبتكر للأوبرا، بسقفه الرخامي، رؤية المدينة من زوايا مختلفة بشكل مدهش. على يمينك: أرخبيل المضيق البحري مع منازل صيفية تقليدية صغيرة بألوان زاهية ومتفائلة. على يسارك: نظرة عامة سريعة على قلب أوسلو. أبعد من ذلك: التلال والجبال الخيالية المحيطة بالعاصمة الأسرع نموًا في أوروبا.

تستضيف أوسلو أوبرا مجموعة متنوعة من العروض المسرحية في الهواء الطلق والحفلات الموسيقية وغيرها من الأحداث على مدار العام. كمكافأة إضافية، من خلال هيكله  يعيد المبنى الساحل إلى السكان والزوار. اما في الداخل يعد التصميم الخشبي للمبنى – غير المعتاد جدًا بالنسبة لدار الأوبرا – إشارة إلى الطبيعة والتاريخ النرويجيين. من الواضح أن شكل حدوة الحصان للقاعة الكبرى مستوحى من المسارح الكلاسيكية في العصور القديمة. الشاشة الكبيرة للمسرح من تصميم الفنان باي وايت. لقد ساعد الاهتمام الإعلامي الكبير في كثير من الأحيان بهندسة الأوبرا العديد من مطربي الأوبرا وراقصات الباليه المشهورين عالميًا على القدوم إلى أوسلو. وبالتالي، فإن المجموعة المتغيرة باستمرار تتكون دائمًا من مزيج خصب من الفنانين ذوي الأسماء والشهرة الوطنية والدولية. يشعر بعض الناس أن الأوبرا الكلاسيكية أو قطعة الباليه يجب أن تظل قريبة من التفسير الأصلي قدر الإمكان. لا يزال آخرون مهتمين أكثر بإعادة تصورها بشكل جريء. تقدم دار الأوبرا هذه كلا النهجين، ومنذ افتتاحها في عام 2008، اشتهرت دار الأوبرا الوطنية النرويجية ودار الباليه بتنوعها اللامتناهي من العروض. في الداخل، تحتوي الأوبرا على مساحة ضخمة ذات تصميمات مذهلة، وهي مفتوحة للجمهور. ولإنشاء أسطح استثنائية، عمل المهندسون المعماريون في Snøhetta بشكل وثيق مع الفنانين. أحد الأمثلة العديدة للتصميم الذكي المذهل من قبل فنانين مختلفين هو الجدار المثقوب وهو من تصميم أولافور إلياسون Olafur Eliasson. العمارة الحديثة في  اوسلو متمثلة في هذا المبنى الجديد الجميل، والذي فكرته ليست مستوحى من المباني الشهيرة السابقة، بل من الطبيعة النرويجية.

الفن الحديث: متحف أستروب فيرنلي

دار الأوبرا ليست المبنى الوحيد المثير للإعجاب على ساحل أوسلو. على بعد أميال قليلة من متحف الفن الحديث الرائد، أستروب فيرنلي. المبنى صممه رينزو بيانو الشهير ويتكون من ثلاثة مبانٍ. في إحداها يمكنك الإعجاب (جزء من) المجموعة الدائمة، وفي أخرى يمكنك زيارة المعارض المؤقتة وفي الثالث يمكنك رؤية المكاتب. يتناسب المبنى نفسه بالتأكيد مع بيئته على المرفأ: يمكنك أن ترى بوضوح أن المهندس المعماري استوحى إلهامه من القوارب التي تدخل الميناء. ستجد حول المتحف أيضًا منتزه Tjuvholmen Sculpture ، الذي صممه أيضًا المعماري الايطالي الشهير Renzo Piano. ستجد في حديقة التماثيل هذه منحوتات لبول مكارتني، من بين آخرين.
ليس المبنى وحده يمثل عمارة البحر في هذه المنطقة ولكن ايضا المنطقة باكملها قد صممت لتكون الحالة الوسطية بين البحر والجبل. التوزيع الفضائي لقاعات هذا المتحف قد تم صياغتها بعناية كبيرة بحيث تناسب الفن الحديث الذي يعرض هنا من اعمال كبيرة تحتاج الى فضاءات عالية كبييرة وقد اجاد فيها المعماري رينزو بيانو في هذه النقطة بحيث اصبح المتحف جزء من التصميم الحضري لهذه المنطقة، ليس مبنى من كتلة واحدة وكما هو الحال في متحف مونش الحديث ولكن متحفا تتحرك صالاته بين امواج البحر هنا. ان الفكرة المعمارية للمبنى مستوحى من شكل السفن والزوارق حيث بالامكان من رؤية تفاصيل هذه السفن في عمارة هذا المبنى وخاصة الحركات الشراعية فيه والصرايا والحبال التي هي جزء من تصميمه المعماري والانشائي اضافة الى استعماله لمادة الخشب بكثافة كبيرة.

وكما اشرت في المقدمة فان احد المعارض الدائمية كان حول رائحة الامكان والمواد ومنها الحجارة النرويجية. والمتحف باكمله قامت بانشاءه العائلة النرويجية Fearnley عام 1993م وهو من المتاحف الاهلية (ليس للدولة) في النرويج. وهذا بحد ذاته يشكل الهوية الثقافية لاوسلو واهتمامه بالفن ليس من خلال الدولة ولكن من خلال المجتمع. وعندنا ايضا اذا تم بناء المتاحف والمكاتب ودور الموسيقى بقدر دور العبادة اليوم سيكون ذلك بداية موفقة جديد من اجل مستقبل ثقافي حضاري.

العمارة البلجيكية في أوسلو: ساحة التزلج الوطنية هولمينكولين

التزحلق على الجليد هو شيء تتعلمه كنرويجي منذ الطفولة: يقولون أحيانًا أن النرويجيين يولدون بزلاجات / على زلاجات. لا أعرف ما إذا كان هذا الأخير صحيحًا حقًا، لكن الحقيقة أن هذه هي الرياضة الأكثر شعبية في البلاد. خارج أوسلو مباشرةً، ستجد ساحة هولمينكولين للتزلج ليس فقط مع منحدرات مختلفة، ولكن أيضًا متحف تزلج حقيقي وقفزة تزلج مثيرة للإعجاب. من خلال مرشدي الاوسلوي الاول الخال فرج، قمت بزيارة الهضبة أعلى البرج لإطلالة جميلة على أوسلو والمياه والغابات في المنطقة. تم تصميم قفزة التزلج الرائعة من قبل المهندس المعماري البلجيكي جوليان دي سميدت: من يجرؤ على تسلق الوثب العالي الذي يبلغ ارتفاعه 134 مترًا؟ والان هذه الهضبة هي قبلة سكان اوسلو جميعهم وفي الحي الذي اقمت فيه كانت اكثر المساكن الحديثة قد وجهت شرفاتها الى هذا المبنى المعماري الجميل. وهكذا ايضا لدى الخال فرج اسمرو طموح معماري في المستقبل لصياغة تصميم يلائم الموقع النادر لمسكنه الجميل والذي يقع على سفح هذه القمة المتميزة في اوسلو. وقبل ايام قليلة ارسل لي مرشدي الثاني ابن عمي وسيم رمو بعض الافلام التي توثق عملية تغطية الوقع باكمله بالثلج حيث مضخات كبيرة تقوم وباستمرار ضخ الثلج الطبيعي-الاصطناعي ليغطي هكتارات عديدة بالثلج الساحر حيث تقام هنا سنويا مسابقات محلية-دولية-عالمية في التزحلق والتزلج على الثلج.

ربما كنت محظوظا جدا في زيارتي الى اوسلو هذه المرة. عندما كنت في اوسلو لم يكن “اوميكرون” قد ولد بعد بحيث ان كل شيء كان طبيعيا، الناس تمشي زرافات زرافات والاماكن العامة مكتضة ولا احد يضع الكمامة على فمه. ولكن الان ليس فقط في اوسلو ولكن في جميع المدن اصبح التنقل بينها من اصعب الامور. فعلا ان بعض القرارات الشخصية قد تكون ناجحة اذا كان الهدف منها الاستمتاع بلذة اللقاءات مع المدينة والاهل فكم تكلمنا في الماضي ونحن في الحاضرK وكم رأينا من حولنا اماكن رائعة في افكارها هي اليوم “مستقبلية” ولكن ربما بعد عقد من اليوم سنرى امكان اخرى جميلة مثلها وربما سيكون عنوانها “بعد المستقبل”.

وكم كنت سعيدا بقضاء تلك اللحظات المعمارية-الثقافية-الاجتماعية في اوسلو وخاصة مع ابناء الواحة الالقوشية فيها تمثلهم شخصيات لها وزنها الاجتماعي والثقافي والانساني في رسم خطوط هذه الواحة.

نُشِرت في مقالات, رحلاتي | الوسوم: , | أضف تعليق

صمت العمارة

صمت العمارة
المسكن الجديد للصرخة/ متحف
MUNCH مونك في اوسلو/النرويج
عماد رمو
Emad Rammo /هولندا 2022

لا يتخرج اي طالب معماري من قسمه الا واذا كان قد صمم متحفا او مركزا ثقافيا او قاعة للموسيقى والفنون. هذا المشروع المعماري هو غالبا احد مكونات المنهج المعماري اما للمرحلة الثالثة او الرابعة. قبل اربعة عقود من الزمن، وهي فترة زمنية قصيرة في عمر العمارة، حيث انها لا تستعجل في الحركة في منهجيتها كما هي عند الاقسام الهندسية الاخرى، قد كانت نظرتنا ونظرة اساتذتنا لجميع المراكز الثقافية والمتاحف نظرة افقية. لقد كانت هذه العمارة تنتمي الى العمارة الثقيلة الصلدة والمتوازنة والمستقرة. تجثو هذه الابنية على الارض كما هي الاهرامات في مصر او الزقورات في بلاد ما بين النهرين. اما العمارة العمودية فقد صنفها اساتذة العمارة حينها للابنية الادارية والمصرفية والصحية الكبيرة وكذلك السكن العمودي. وكان للسكن ايضا منهجا افقيا وكما تعودنا عليه في الوحدات السكنية المنفردة. ولو كان احد من زملائنا قد قدم فكرة تصميمة لمتحف عمودي صندوقي كما هو في متحف مونك في اوسلو لكان الاستاذ البولوني حينها قد رفض تصميمه بحجة ان المتاحف افقية دوما.

قبل غزو “اميكرون” الاخير كنت قد سافرت الى اوسلو لزيارة الاهل والاقارب- ومنهم الشخصية الاوسلوية-الالقوشية المعروفة فرج يوسف اسمرو وزوجته انجيلا حبيب تومي وكذلك ابن العم وسيم رمو- وايضا زيارة لوحة الصرخة للفنان النرويجي مونك في مسكنها الجديد وايقونة اوسلو المعمارية متحف مونك نفسه، ومن دون مرافقة الاهل والاحاديث الشيقة التي حدثت اثناء تلك الزيارة لما كانت قد اخذت هذا الاهتمام الكبير مني لتوثيقها وبتفاصيلها وربما ستبدو للكثير من الاصدقاء متطرفة في اتجاهها الفني-المعماري.
اذا نظرنا الى مضيق اوسلو، فان العاصمة النرويجية تكاد لا يمكن التعرف عليها بالنسبة لاولئك الذين لم يروا المدينة منذ عشرة سنوات وانا واحد منهم. في هذا الحي الجديد على الماء Bj0rvika، ظهرت دار الاوبرا البيضاء الثلجية لاول مرة، يبدو انها تخرج من الماء مثل صخرة الجليد، وقد افتتح قبل سنتين هنا مبنى المكتبة العامة الجديدة في مبنى مذهل وبنفس القدر وبواجهة زجاجية وطابق علوي مُتدلي.
وبجانب الاوبرا يقف جسما هائلا كبيرا وعملاقا ضخما رمادي-فضي اللون يصل ارتفاعه الى ستين مترا في الهواء. انه متحف Munchmuseum الجديد، وباختصار هنا في اوسلو يسمى MUNCH: ثلاثة عشر طابقا مخصصة لأرث الفنان النرويجي مونك والذي اشتهر كثيرا بلوحة “الصرخة”. هذه الاعمال هي اكبر مجموعة في العالم مكرسة لعمل فنان واحد. خلال فترة الاحتلال النازي الالماني للنرويج اثناء الحرب العالمية الثانية كتب الفنان مونك في وصيته ان تستملك مدينة اوسلو جميع اعماله وذلك لمنع مصادرتها من قبل الالمان والذين كانوا يحطون من قيمة هذا الفن المعاصر والذي لم يكن أرياً في نظرهم. وفي عام 1944 ورثت العاصمة اوسلو حوالي 28000 قطعة فنية بالاضافة الى اعداد كبيرة من الصور والرسائل والممتلكات الشخصية لمونك.

تم افتتاح المتحف الاول له في اوسلو في عام 1863 في منطقة T0yen على بعد بضعة كيلومترات خارج وسط مدينة اوسلو حينها، وبعد 100 عام بالضبط من ولادة الفنان مونك سرعان ما تبين بان ذلك المبنى كان صغيرا وقد فشل في وظيفته التي بُنيَّ من اجلها. لقد زرته شخصيا مع ابن عمي وسيم رمو قبل اكثر من عشرة سنوات وكان يتدفق عليه الزوار باستمرار مما زاد من قناعة المدينة بانشاء متحف اخر اكبر لمونك ولايقونته “الصرخة” لتناسب مكانته العالمية ومكانة اوسلو كعاصمة للثقافة والفن في الشمال البارد. واخيرا تم وضع الحجر الاساس للمتحف الجديد في عام 2016 وتم افتتاحه في 22 اوكتوبر من عام 2021م. وقد فاز المكتب المعماري الاسباني Estudio Herreras بالجائزة الاولى في مسابقة معمارية عالمية اقامتها بلدية اوسلو من اجل تصميم هذا المتحف. وقد فاز التصميم العمودي المقترج من قبل هذا المكتب حيث يتكون المتحف من كتلة عمودية تتكون بدورها من عدة طوابق مختلفة الارتفاعات لخدمة وظيفة المتحف وما تركه الفنان مونك من اعمال مختلفة وبابعاد مختلفة ايضا فمنها لوحات صغيرة واخرى متوسطة الحجم وثالثة على شكل جداريات بانورامية واسعة. ومن بين عشرين مكتبا معماريا عالميا تنافسوا على هذه المسابقة المعمارية الكبيرة كان هذا التصميم “العمودي” الوحيد الذي قُدم من اجلها. وحسب ما قاله المصمم جينس ريختر، الشريك الثاني لصاحب المكتب. “المتحف العمودي هو بيان حقيقي. انه يُغير منظر المدينة”. في الوقت نفسه يقول ريختر، كان تصميمهم مدفوعا باعتبارات عملية ومكانية. تتكدس مساحات المعرض الان فوق بعضها البعض مثل صندوق من الكتل مما يوفر المرونة: يمكن رؤية رسومات مونك Munch والمطبوعات في غرف صغيرة ذات اسقف منخفضة، بينما يتم عرض قليل من لوحاته الضخمة في غرف واسعة. وقد حاول المهندسون المعماريون تجنب الاشارة الحرفية لاسلوب وفن مونك في الرسم ولكن قد اخذوا في الاعتبار علاقة مونك القوية مع الفضاء الخارجي “الطبيعة”. لقد رسم مونك في الشمس والمطر والعاصفة وكان يحتفظ بجزء من لوحاته في الخارج، وهو امر لا يتقبله المتحفظون في هذا الفن، ولكن وجهة نظر مونك كانت الطبيعة بالنسبة له مصدر الهام.

وقد تم تغطية واجهات المتحف بالواح  متموجة من الالمنيوم المثقوب نصف الشفاف حيث يعمل بمثابة طبقة جلدية تتفاعل مع الضوء والظروف الجوية في مدينة اوسلو وهي قابلة للتغير حيث في الاجواء المشمسة يكون الالمنيوم معتما وعندما تغرب الشمس تصبح هذه الطبقة اكثر شفافية فيمكن الاستمتاع بمناظر البحر والمدينة الخلابة حتى في الليل. وقد ارادت مدينة اوسلو في هذا المبنى ان يكون له وظيفة عامة حتى المطعم في الطابق العلوي مع اطلالته البانورامية على المضيق البحري والمدينة مفتوح للجميع حتى للذين ليس لديهم تذكرة الدخول الى المتحف وفي المبنى ايضا قسم للاطفال حيث يتعلمون الرسم في دورات خاصة لهم اضافة الى قاعة عرض ايضا.


المنطقة المحيطة في المتحف هي واسعة للغاية ولكن ايضا من يدخل الى مبنى المتحف في الطابق الارضي يجد نفسه وكانه في قاعة مغادرة لمطار كبير. قاعة الاستقبال في المدخل مليئة بالسلالم المتحركة ذات الجدران الزجاجية. الارضيات والسقوف ذات اللون الكرومي (نسبة الى مادة الكروم) ولها اطلالة رائعة على الساحل ومبنى دار الاوبرا. هذا ايضا يشمل الكتلة العمودية التي تم عرض منتجات مونك الفنية على طوابقها المختلفة. الاف من الرسومات واللوحات والمطبوعات والطباعة الحجرية والرسومات الخشبية والمنحوتات والصور الفوتوغرافية وقد تم تصنيفها حسب موضوعها. حيث يقدم المتحف في الطابق الرابع لمحة عامة عنه، اما في السابع فهو مخصص لاهم مواضيع مونك ومصادر الهامه مثل مادونا وكذلك معرض للرسومات الخشبية. في الطابق السادس لوحاته الضخمة التي رسمها لجامعة اوسلو واضخمها وهي بعنوان “الباحث” مساحتها بحدود ال 50 مترا مربعا تم انزالها الى هذه القاعة بعمل فتحة كبيرة في الطابق السادس.

لقد قام منظمو المتحف بعزل الحياة الشخصية لهذا الفنان عن عمله حيث عرضوا في احد الطوابق المنزل الاخير للفنان مونك بطريقة تمتزج بين عرض الاثاث جميعها في بين جدران رقمية بصرية. جميع الزوار بامكانهم من التجول في منزل الفنان مونك وعلى الطاولات تجد اعقاب السيكاير الاخيرة لمونك، والكراسي البالية، والرسائل، والكتب، والمواد التي ابتكر بها فنونه. لقد كان روحًا مسكونة، كما نعلم، ماتت والدته مبكرًا بسبب مرض السل وواجه الموت عدة مرات عندما كان طفلأ.

تلك الروح المضطربة للفنان مونك تتحدث في جزء كبير من اعماله، ولكن بالطبع وبشكل بارز في لوحة “الصرخة” التي نسخت الى ما لا نهاية حيث تم تسويقها مرارا. لقد كانت الصرخة في البداية مجرد نص في يومياته، وفي احدى الامسيات في اواخر القرن التاسع، وعندما كان مونك في نزهة مع صديقين، وفجأة تغلبت عليه حالة من اليأس فاتكأ على احد السياجات منهمكا ووقف هناك بينما استمر اصدقاؤه بالمشي فتجاهلوه فبدأ يرتجف من شدة الخوف وحينها شعر مونك وفي تلك اللحظة ب “صرخة الطبيعة العظيمة”.

من كان مونك؟
نشأ إدوارد مونك (1863-1944) في كريستيانيا، أوسلو الحالية. عندما كان مونك في الخامسة من عمره، ماتت والدته بسبب مرض السل. تبين أن مونك كان طفلاً مريضًا، ويبقى في المنزل من المدرسة طوال فصول الشتاء. وقد منحه هذا متسعًا من الوقت للرسم. تأثر مونك بشدة بالانطباعيين مثل مانيه وفان جوخ وغوغان، لكنه وجد على المدى الطويل أن الانطباعية والطبيعية مقيدة للغاية؛ أراد أن يصور حالاته الذهنية بدلاً من الواقع الخارجي. بدأ الرسم بأشكال مبسطة للغاية، مميزة للتعبيرية اللاحقة. في أوائل القرن العشرين، انتقل مونك إلى الأوساط الفنية الباريسية وبرلين ولكن بعد بدء النازية في المانيا عاد إلى النرويج.

لابد ان اعود مرة اخرى الى المنهج والاسلوب المعماري لعمل هذا المكتب المعماري الاسباني ولمدة ثلاثة عقود في حل اعقد المشاريع وفي انحاء كثيرة من العالم. لقد وضعوا تصورا كاملا لكل مشروع ويقومون بتطوير المشاريع ومراقبتها من خلال تنفيذ العمل والتواصل مع المشاريع. وبامكانهم من قيادة المشاريع المعقدة واعداد برنامج استراتيجي لحل جميع معضلاتها الثقافية او الحضرية او حتى اللوجستيكية. كل مشروع بالنسبة لهم هو تحد جديد لتجربة معمارية ثرية. البداية هي دائما من فلسفة المكتب المعمارية في فهمه للعمارة ودورها في الحياة. انهم يدرسون العلاقة المباشرة بين مستخدمو المبنى والمبنى نفسه من جهة وعلاقة المبنى وارتباطه مع المدينة والمنطقة المحيطة به. المباني العامة الثقافية تعتبر بالنسبة لهم دراسة متواصلة للوجود الثقافي اليوم في حياة المواطن بصورة عامة وخاصة الجيل الجديد واستعماله لهذه المباني. لقد طرأ تطور كبير في علاقة الانسان مع اللوحة وحينما كانت سابقا المتاحف اماكن استثمارية لبيع وتسويق اللوحات اصبحت اليوم تتخذ وظيفة اخرى تتجه الى الاستثمار العام في المجهود الفكري للوحة وفلسفة الفنان. وبالنسبة لمجموعة مونك فهي تعتبر حقا دراسة تاريخية لتطور الانسانية لاكثر من قرن كامل من الزمن شهد تغيرات عديدة وحروب كثيرة وتطورات صناعية واحتماعية سريعة.

في دراستنا للعمارة في جامعة الموصل قبل اربعة عقود كان مفهوم ومصطلح “الكتلة المعمارية” يطغي على اكثر مناقشاتنا حول تطوير مشاريعنا التصميمية حينها وخاصة تلك التي كانت تخص المباني الثقافية مثل المتاحف والمراكز الثقافية وقاعات الموسيقى والفن. كنا احيانا ننام ونحن نفكر بتطوير كتلة المبنى، ونصحو ونحن قد حلمنا بكتلة اخرى. كان المنهج المعماري يعطي ثقلا كثبيرا جدا لدراسة “الكتلة” في اي مبنى. وحتى لو كان المبنى وظيفيا واداريا كان علينا حينها ان نفكر بالكتلة كلما اردنا وضع مخطط جديد للفكرة. ولكن “الكتلة المعمارية” اليوم اتخذت هوية اخرى اختلفت كثيرا عن مفهومنا حينها لها. لقد كانت التقنية تقليدية غالبا في المواد التي كانت تتالف منها الكتلة او تلك التي سيتم تغليفها. قائمة المواد المعمارية لم تكن طويلة ابدا، فاكثر ما كانت الكتل المعمارية كونكريتية صلدة تفتح فيها النوافذ. واحيانا اخرى من تاثير استعمال الطابوق او الحجر في البناء. ولكن تلك المواد التي كانت تدخل في واجهات المصانع والمعامل وغالبا ما كنا نستعمل فيها الواح الالمونيوم المتوفرة. اليوم المكاتب المعمارية تقوم بنفسها بتطوير المواد المعمارية ولكل مشروع وحسب وظيفته الحضرية. والمشروع اعلاه دراسة متطورة كثيفة حول تطوير الطبقة الجلدية الخارجية لهذا المبنى والتي وحتى لو ادعى مصمها بانه لم يتأثر بحرفية فن مونك، ولكن الواقع يقول بان انسيابية المبنى في استعماله واجهة متموجة كتلك الامواج التي صورها مونك في لوحة الصرخة. لقد رسم الهواء في لوحته وهنا ايضا فقد رسم المصمم المعماري الصرخة نفسها في هيكل معماري يناسبها ليس فقط تجريديا ولكن ماديا ايضا. هناك فعلا علاقة بين الهوية الفنية لاعمال مونك والهوية المعمارية لهذا المبنى. انها “الصرخة” نفسها. الطبيعة قد صرخت وهنا المبنى قد استلم امواج الصرخة من المحيط فبدأت تتموج على جدرانه وتنساب بهدوء مرة اخرى الى المحيط.

ملاحظة:
الصور هي باقة متكاملة من ثلاثة مصادر:
الاول: ارشيفي الخاص
الثاني: من موقع المكتب المعماري الاسباني Estudio Herreras
الثالث: من المجلة المعمارية الاسبانية المختصة AV العدد 238 لسنة 2021

Photo: Ivar Kvaal, http://www.ivarkvaal.com
نُشِرت في مقالات, ارشيف قسم العمارة في جامعة الموصل | الوسوم: , | أضف تعليق

الزنابق والحقولفن هندسة الحدائق

الزنابق والحقول
فن هندسة الحدائق
عماد رمو
Emad Rammo/ هولندا ايار 2020

في ربيع القوش ومنذ بداية اذار كنا نخرج نحن صبيان المحلة الى البيادر والحقول والوديان والهضبات وسفوح الجبال القريبة والوهدات بينها. الطبيعة كانت تفرش الارض خضارا بهيا جدا، ناعما ومنعشا ثم يبدأ ذلك الخضار، وبعد اسابيع قليلة تتلون الارض بورود وزنابق بيضاء وزرقاء في اذار، وفي نيسان يطغي الارض اللون الاحمر بتلك الزنابق الكبيرة البهية، وفي ايار تكتمل جميع الوان الطبيعة في سمفونية لونية بهيجة بحيث لا يبق لون من الوان الطيف الشمسي لا يعكس سحره على تلك السجادة الخضراء الواسعة.


يقول والدي المعلم داويذ رمو ادام الرب في عمره، واثناء عمله في قرية زيناوة الوسطى (زيناوة ميري) في نهاية الخمسينات، وهي قرية قريبة من مدينة الشيخان، بانهم قد خرجوا الى الحقول الواسعة في ايار مشمس  حول القرية واثناء تجولهم فيها رأوا حقلا واسعا كبيرا بحدود العشرة فدانات يتلون بالابيض والاصفر وتنبعث منه رائحة فواحة من عطر تلك الورود البرية  والتي كنا نسميها (مرقوزا) ولكن تلك كانت (مرقوزتا)  حيث تكون هذه الورود قصيرة ولكن مفتوحة وفواحة العطر. حقل واسع كبير تكاثرت هذه الزنابق البرية الودودة الجميلة والمنعشة.


هكذا كنا نعيش الربيع في بلدتي الجميلة، لم  تكن فقط البلدة بحد ذاتها جميلة وبديعة ولكن ايضا الاجواء المحيطة بها حيث الطبيعة المتنوعة في جغرافيتها وجيولوجيتها ووظيفتها وجمالها وامانها وقوتها وسحرها وبساطتها واصالتها وكل ما وهبها الرب من عناصر سحرية رسمت الكثير من شخصيتنا الفردية وجعلت لنا ذاكرة جماعية نشتاق لها كلما اصابنا الملل من روتينية الحياة العصرية وتعقدها وتشابكها وردعها وصلابتها بحيث اصبح البحث عن تلك الحقول الطبيعة، وخاصة اليوم، وبعد ان فتح هذا المنتزه الكبير ابوابه للزوار ومن جميع انحاء العالم بعد احتباس طال العامين وهي فترة طويلة جدا في حضارة الغرب النفسية العصرية.

تقول القصة بان السفير النمساوي لدي السلطان العثماني سليمان الكبير Ogier Gisleen van Busbeke, قام في عام 1551م بجلب ابصال الزنابق التي كان العثمانيون قد اهتموا وكثروا واكثروا منها في حدائقهم السلطانية وقد وجد منها في مدينة اديرنا التركية وعندها وصلت الزنابق الى اوروبا واول مدينة اوروبية قامت بزراعتها وانتاجها وتكثيرها كانت مدينة اندفيربن البلجيكية وبعدها اخذوها الهولنديون وقاموا بتدجينها وعلى مر القرون اصبحت من احدى هويات القومية الهولندية بحيث اصبحت الزنابق العنصر السياحي الثاني الذي ياتي اليه الزوار من جميع انحاء العالم لزيارة هذا المنتز الكبير في شمال هولندا. انه منتزه ال Keukenhof حيث كان هذا المنتزه سابقا البستان الكبير الذي كان يزود سكان القلعة التابعة له بالخضار والفواكه حيث كان من املاك قلعة  slot Teylingen. وفي عام 1949م قام مهندس الحدائق الهولندي W. van der Lee بوضع تصاميمه لهذا المنتزه ليكون اول منتزه ومعرض كبير للزنابق حيث افتتح المعرض عام 1950م واصبح هذا المهندس اول مدير له ولغاية عام 1975م حيث منح وسام الملك لخدماته الجليلة في رسم الهوية الهولندية. وبعد وفات اخر ورثة هذه القلعة تم تحويل ملكيتها الى جمعية باسم هذه القلعة. ويشارك سنويا بحدود المائة من الشركات الهولندية الخاصة بانتاج ابصال الزنابق وتدجينها وتطويرها وانتاج فصائل جديدة منها.

هذا المنتزه الكبير تنتشر حدائقه على اكثر من 200 هكتار من الارض الخصبة لزراعة الابصال الزنبقية. كل شيء في هذا المنتزه قد تم التفكثير به بصورة دقيقة وفي كل تفصيل صغير حيث لاحظت بانه لم يترك هنا شيء للصدفة ابدا. حقول الزنابق البهية ومع الاشجار الباسقة المعمرة فوقها والعصافير تشدو فيها الحانا جميلة والمياه في كل طرف وساقيات عديدة وافواج من البشر مفرحة سعيدة بهذه الزنايق التي هي بحدود 7 مليون زنبقة فقط. وفي كل جزء من المنتزه هناك افكار فنية تصميمية قيمة لا يحس بها الا الذي يعيش تلك اللحظات التي يتمنى الفرد منا ان لا تنتهي بسهولة وكل ممر مزهر وحديقة باسقة وقطاع زنبقي يجعلنا ان لا نفكر الى بعالم الاشكال والالوان الطبيعية الاليفة فلا يوجد اجمل مما خلقته الطبيعة لنا من تلك الالوان والاشكال. المصمم يتحرك بسهولة هنا في انتاج افكار لا متناهية من التشكيلات اللونية والخطية والمساحية فانه يلعب ليس فقط باشكال والوان الابصال ولكن ايضا بخطوط الطبيعة حولها فمنها مستقيمة طويلة واخرى ملتوية دافئة وثالثة مركزية حلقية. ليس هذا فقط ولكن الكومبيوتر ايضا يعطي لنا الكثير من الاحتماليات التي لاتنتهي في ترتيب الوان الزنابق او اشكالها او حجمها او تركيبتها.

هكذا كان اليوم جميل جدا بالمرور بجانب هذه الزنابق الضاحكة حيث الناس تهتم بها ليس فقط برؤيتها والاستمتاع بها ولكن ايضا بالتدقيق في تفاصيلها الدقيقة النقية الكثيرة. يوم جميل مشمس بمرافقة اخي عصام وابنته العزيزة اماليا حيث التقيتها اليوم وبعد سنتين من الاعتزال الكوروني في لقاءات وحوارات جميلة حول الفن المعماري ليس فقط في تصميم الابنية ولكن ايضا في تصميم الحدائق فرغم انها في الصف السادس الابتدائي ولكن لديها فضول كبير في معرفة المهن الفنية الابداعية مثل تصميم الدائق.

هكذا جعل الهولنديون من الزنبقة واردا سياحيا كبيرا حيث يزور المنتزه سنويا بحدود 1500000 زائر يوفرون فرص عمل كثيرة جدا ليس فقط للعمل هنا ولكن ايضا في جميع المرافق السياحية الاخرى.

من زنبق الحقول البرية في الشرق الى منتزهات الزنابق في الغرب قصة مفرحة ومؤلمة في نفس الوقت، فكيف وصل الغربيون وقبل قرون الى زنابقنا ونقلوا ابصالها الى حقولهم وقاموا بتطويرها وتدجينها وتكثيرها وتصديرها الى جميع انحاء العالم. قصة الزنابق قصة صغيرة ولكن من خلالها يمكن اختزال التاريخ والابداع الانساني ولكن ايضا قصة تواصل الحضارات الشرقية مع الغربية فلولا الزنابق السلطانية-العثمانية لما كان الغرب اليوم قد استمتع بسحر هذه الزنابق فاصبحت احد معالم الهوية الهولندية.

نُشِرت في مقالات | الوسوم: , | أضف تعليق

العمارة وحدها لا تضحك

العمارة وحدها لا تضحك!
عماد رمو
Emad Rammo/ هولندا ايار 2022م

الاتقان البصري هو اعقد كثيرا من الاتقان الصوتي. فالكثير منا بامكانه ان يقوم بالتحكيم على القطعة الموسيقية التي يسمعها من خلال تحليلها ومعرفة تلك الالحان التي تناسب ما قد اختزنت ذاكرته الصوتية من الموسيقى والاغاني التي تكرر سماعها ومنذ الصغر. ربما هناك القليل منا الذي يشك بروعة صوت المغنية فيروز صاحبة الصوت الرقيق الصباحي والذي يلازمنا اينما ذهبنا وترحلنا. ولكن من الصعوبة جدا علينا التحكيم على العمارة باعتبارها فنا كالموسيقى بسبب قلة المصادر الصورية الجيدة في ذاكرتنا المعمارية من ناحية ومن ناحية اخرى صعوبة تحليلها وتقطيعها ومقارنتها مع تلك التي عشنا فيها ومعها. عندما يصل الصوت الى الاذن ويفسره الدماغ بانه صوت العصفور هذا امر سهل جدا من اتقانه وكلما سمعنا عصفورا يزقزق نستمتع بعذوبة صوته فترتاح النفوس وتنشرح الصدور.

ولكن هل من الممكن ان يحدث هذا الامر ايضا مع العمارة؟ هل للعمارة موسيقى ايضا؟ هل تبتسم العمارة لنا كما جاء في العنوان؟ متى نستمتع في رؤية العمارة؟ لماذا يختلف الكثيرون منا على جمال وقوة واشعاع العمارة بينما يتفق هؤلاء مباشرة على عذوبة صوت فيروز؟

 
رغم ان العمارة هي الشاهدة الاساسية الاولى لنقل الحضارة من شعب الى شعب كما في عمارة نينوى وبابل، ولكن يبدو اتقانها وفهمها وتقييمها اصعب بكثير من اتقان الموسيقى واللغة! هذا الامر لا يشمل العمارة الكلاسيكية والعمارة الريفية حيث كلاهما من السهل تقييمه من قبل الاكثرية منا. الكثير يبتهج برؤية مبنى قديم او حي في قلب مدينة تاريخية حيث هي من الامكنة الاولى التي يتشوق الجميع لرؤيتها فهي واضحة المعالم غير معقدة التفاصيل وعلى الاغلب متناظرة الشكل ويشع منها جمال كلاسيكي وتعزف تفاصيلها المعمارية لحن ملون. اما في العمارة الريفية فهدوئها الكبير وبساطتها وقربها من الطبيعة تجعلها مفهومة ايضا للكثيرون ويختارونها كمكان للاصطياف والاستجمام واعادة شحن بطارية الحياة سنويا بعد الارهاق الكبير من صخب اشعاع عمارة المدن وخاصة ان كانت هذه المدن صاخبة!

في كل مقال جديد احاول ان ابتعد عن اسلوب المقارنة والمفارقة بين الازمنة والامكنة وخاصة ان تناول الموضوع العمارة، ولكن يبدو اصبح هذا الامر اسلوب شخصي لا استطيع التحرر من سطوته. لا يبدو الامر للوهلة الاولى بانه فقط احد نتاجات الغربة والتغرب، ولكن له علاقة باستكشاف الماضي الاجتماعي والثقافي والشخصي ومحاولة الاستطلاع المتواصل على تجارب الاقوام الاخرى التي تجاوزت مرحلة الانتظار كما يبدو لي واخذت على عاتقها قيادة التغيير مع التواصل المستمر بين ما تم انجازه من قبل الاجيال السابقة وما سيتم تغيره وانجازه من قبل الاجيال القادمة. وبما اني لا استطيع ان احدد الجيل الذي انا تابع له، حيث اصبحت مثل قطعة الحديد تلك التي تتحرك سابحة في حقل مغناطيسي بين تلك الاقطاب التي لا يمكن تحديد هوية الشمال منها من دون تحديد هوية الجنوب ايضا. هذا الامر اسهل بكثير من فتح بوابة انشائية لكل مقال جديد. ولكن ومع ذلك فاني يجب ان ارجع الى مقال الاسبوع الماضي وبالذات حول تقسيم المجتمع الى ثلاثة طبقات: المعبد والقصر والشعب، حيث المعبد استلم السطلة الدينية والقصر السلطة الدنيوية والشعب كان عليه ان يعمل من اجل هاتين السلطتين اللتين تقاسمتا اكثر من نصف انتاج المجتمع في حين ان نسبتهما لم تكن اكثر من 1% من نسبة سكان المجتمع. هذه الحالة تكررت في جميع المجتمعات الانسانية على سطح كرة الارض. هنا في اوروبا وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية نشأت احزاب سياسية من هذه الطبقات الثلاث: من المعبد ظهرت الاحزاب الدينية المحافظة والمتشددة والتي اتخذت من الدين منهجا سياسيا لها حيث اكثر مناصريها من الفلاحين في الريف والبلدات الصغيرة، ومن طبقة القصر نشأت الاحزاب الليبرالية الراسمالية والتي اتخذت من المدن الكبيرة مركزا لها لاستثماراتها الكبيرة في الصناعة والتجارة وقطاع المال والتجارة واتخذت من نظرية السوق الحرة منهجا لها اضافة الى الحريات الفردية اما طبقة الشعب فظهرت باحزاب اشتراكية-عمالية نادت بحقوق العمال وتامين التعليم والصحة لهذه الطبقة العريضة والتي شملت ايضا الفنانين والرسامين والمعماريين والادباء والمثقفين والمتعلمين والموظفين في الدولة ايضا حيث نادوا بدولة تحمي الحقوق الفردية للجميع. ولكي اقوم بتوضيح صورة الحكومات الغربية وخاصة الاوروبية وخاصة بعد منتصف القرن الماضي، ولنتخذ بلدا صغيرا مثل هولندا مثال على ذلك، فان جميع الحكومات التي تعاقبت على حكم هذا البلد في النصف الثاني من القرن الماضي كانت حكومات ائتلافية كان غالبا احد هذه التيارات الثلاثة يقود الحكومة مشاركة مع تيار اخر لتامين الغالبية العظمى في البرلمان والذي هو الجهة الرسمية العليا لتشريع القوانين في دولة القانون والديمقراطية.

ان تامين حاجة السكن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بسبب ازدياد وانفجار عدد السكان اصبح لزاما على الدول تحديد سياستها في استخدام الارض من اجل السكن لانه اكثر الاراضي يتم تقطيعها من الطبيعة او الارض الزراعية. المدن الحالية يتضاعف عدد سكانها بسرعة كبيرة مما وجب على السياسيين والاداريين والمخططين والمعماريين والمستثمرين من اتخاذ الخطوات التي تحل هذه المشكلة من ناحية وتحافظ على الارض من ناحية اخرى. وخاصة هنا في اوروبا حيث تعتبر من اصغر القارات مساحة واكثرها مكتضة بالسكان، اما دولة مثل مملكة هولندا فربما لا تراها واضحة في خريطة العالم لصغرها حيث تماثل مساحتها الكلية  مساحة ثلاثة محافظات عراقية! ولكن مقارنة انتاجها القومي الذي هو بحدود 400 مليار سنويا يعادل ثلثي الناتج السنوي لروسيا باكملها. هذا البلد الصغير بمساحته هو ثان بلد في العالم بعد اميركا في تصدير المنتوجات الحيوانية والنباتية. وكل مجتمع في العالم يطور نظرته الاجتماعية في تحديد هوية السكن والتعامل معها وخاصة في الوقت الحالي العصري الذي جعل من الخصوصية الفردية وزيادة نسبة الوحدات السكنية التي يشغرها فرد واحد حيث وصلت نسبتها اليوم الى الثلث تقريبا. وهذه ظاهرة متسارعة جعلت من مخططي السكن ان ينطلقوا من مباديء جديدة في تنظيم وتصميم المدن او الاحياء الكبيرة التابعة لها.

ولهذه الاسباب اصبح موضوع السكن موضوع سياسي ايضا وليس فقط موضوع شخصي كما تعودنا على رؤيته في الشرق حيث الفرد نفسه مسؤول عن بناء بيته وتامين سكنه او يتحكم بذلك مستثمر غالبا ما يكون له علاقة وطيدة مع سلطة القصر. ولكل تيار سياسي من التيارات الثلاثة الرئيسية التي ذكرتها خطته ونظرته وفلسفته في موضوع السكن. وهذه النظرة تصبح من اهم النقاط الانتخابية عندما تتنافس هذه التيارات على المقاعد النيابية. ويتم غالبا ترجمة الرؤية السياسية الى خطة واقعية عن طريق شن القوانين والانظمة والشروط التي من خلالها يمكن تشييد الوحدات السكنية التي تنادي بها هذه التيارات لحل ازمة السكن الدائمية وزيادة اسعار العقارات المتوالية وخاصة في السنين الاخيرة. المسكن هو للسكن كوظيفة رئيسية ويجب ان تنظم القوانين والشرائع عملية تداوله والتجارة به وهنا يكون لدور الشعب في تنظيم الحياة المعمارية-السكنية له كبيرا وخاصة ان الاماكن المخصصة لوظيفة السكن قليلة بالنسبة الى بلد زراعي صغير مثل هولندا وهنا ياتي دور المخطط والمصمم في حل مشكلة السكن من دون خلق مشكلة اخرى مثل تحطيم الطبيعة او تشويهها او السطو على الاراضي الزراعية التي هي بالاصل قليلة للاستمرار في الانتاج الزراعي والحيواني الذي يجب ان يستمر لزيادة الطلب عليه.

هنا ساقوم مرة اخرى بالرجوع الى اسلوب المقارنة والعودة الى حياتي “الريفية” في بلدتي العزيزة القوش عندما كانت بلدة مركزة ومرتبطة وموحدة مع الطبيعة الجبلية من جهة ومن جهة اخرى السهل الواسع الكبير لاراضيها الزراعية ذات التربة السوداء الجيدة لانتاج المحاصيل والحبوب اذا امطرت السماء. وعندما كنا صبيان صغار لم نكن نلعب فقط في الازقة والساحات في البلدة نفسها ولكن في بيادرها الواسعة. وعندما كبرنا قليلا لم يكن السوق المركزي فيها الا مكانا مخصصا للتجمع حيث ومنه كنا ننطلق مرة اخرى في جولة للتمشي الى اديرتها القريبة او الى الوديان والجبال الملتصقة بها وينبوع المياه في غربها. هكذا كانت الحياة متأقلمة نوعما ما مع الطبيعة التي كانت تضحك لنا في الربيع وتضحك معها البلدة في عمارتها المحلية القديمة وايضا تنظيمها العضوي وانسيابيتها مع المحيط الطبيعي حولها. في تلك الفترة (السبعينات والثمانينات) كانت الحياة ابسط مما هي الان عليه واقل تعقيدا سواء سياسيا او ماديا او اجتماعيا ولكن ليس بالضرورة ان تكون افضل من الان. والان وبعد هذا البعد الزماني والمكاني والثقافي بدأت اعرف قليلا لماذا كانت بلداتنا في سهل نينوى جميلة وممتعة وهادئة وضاحكة معماريا وخاصة في الربيع!

هنا ايضا بدأ مخططو المدن في الاهتمام بدمج وربط الاحياء السكنية الجديدة وخاصة في المدن المكتضة مع الطبيعة في تصاميم ومنذ ثمانينات القرن الماضي بحيث اصبح هذا الامر اليوم من اهم عوامل نجاح اي مشروع سكني جديد. في حين كانت المشاريع السكنية قبل هذه الفترة مشاريع نمطية يتم تكرار المبنى نفسه عشرات المرات ( هنا يسمى بتصميم “الطمغة” اي نفس مخطط العمارة اعادته في نفس الموقع)، وخاصة بعد كل ثورة سكانية لا يفكر الفرد الا في تهئية وحدة سكنية له ولعائلته وينسى بانه قد دفع ايضا ثمنا باهظا للمكان المحيط به. عندما يشتري او يبني الانسان وحدة سكنية فانه يشتري المكان معه والمحيط حوله. هكذا ايضا ما حدث في مدننا حينما انقسمت الى احياء سكنية على اسس طبقية فتجد في كل مدينة احياء قليلة للاغنياء واخرى كثيرة للفقراء واخرى بينهما للطبقة الوسطى. هكذا مرة اخرى نرى كيف استمر الانقسام الطبقي-الاجتماعي وظهر واضحا في هوية مدننا المكتظة سواء في الشرق او في الغرب. وعندما يسيطر الشعب (واقصد هنا العامة من الناس) ويشترك بصورة مباشرة في رسم هوية المحيط الذي يريد ان يعيش به مستقبلا تجده لا يفكر فقط في وحدته السكنية (المساحة والموقع) ولكن ايضا في المحيط الكلي الذي سيعيش ويسكن فيه. وهذا بحد ذاته حق سيادي في الانظمة الديمقراطية التي وصلت الى درجة جيدة من الشفافية والتعامل مع مواطنيها.

الطبيعة المحيطة بنا هي ايضا احد العوامل الرئيسية التي تشكل وبصورة غير مباشرة هويتنا الشخصية والاجتماعية والطبيعة نفسها تساعد ايضا في حل الكثير من المشاكل السياسية والاجتماعية. ومن هنا اجد بان العمارة وحدها من دون الطبيعة لا تضحك او تبتسم ابدا من دون تناغمها مع المحيط حولها!

ملاحظة: الصور جميعها من محيط الحي السكني Brandevoort.

نُشِرت في مقالات | الوسوم: , | أضف تعليق

المشي والمسارات الطبيعية

المشي والمسارات الطبيعية
Nationaal Park De Groote Peel*
عماد رمو
Emad Rammo/ هولندا تموز 2022

قبل اكثر من اربعة عقود من الان اكتشفت ومع اصدقائي الطبيعة قبل المدينة. تلك المسارات الطبيعية التي كانت تنبثق من هيكل البلدة القديمة القوش، وفي جميع الاتجاهات الاربعة، اصبحت اليوم من اقوى محددات هويتنا البصرية وبوصلتنا المكانية. كنا حينها نمشي عدة مرات في اليوم على تلك المسارات الطبيعية من دون وعي لنا بانها لاحقا ستتفاعل معنا وفي اية مكان اخر وحتى لو كان ذلك المكان بعيد عنها. واليوم وبعد كل ما فعل الانسان المتحضر في تسخيير الطبيعة من اجل ارضاء رغباته ونزواته التي لا تنتهي، اصبحت الطبيعة مهددة بالانهيار تماما اذا لم يتم النظر مرة اخرى في مكانتها  المركزية في الحياة الانسانية. 
لماذا كنا نمشي حينها يوميا على تلك المسارات؟ تلك المسارات كانت قد وضعت من قبل الناس التي كانت تريد ان تصل الى بلدتي من اماكن عديدة واخرى كانت مسارات المزارعين للذهاب الى حقولهم وثالثة كانت مسارات للرعاة ورابعة مسارات للمعارضين واخرى للمؤمنين للوصول الى اديرتهم ومسارات للطواحين والكروم. هذه المسارات وضعت من اجل اهدافها المختلفة. اما نحن فكنا نمشي عليها من دون هدف! نحن كنا نمشي لان “التمشي” حينها كان جزء من حياتنا. لم تكن حينها المركبات السريعة قد سيطرت على حياتنا كما هي عليه الان، وربما وكما كانت حينها الحياة في المدن الكبرى، ولكن خارج تلك المدن كان وقع الحياة بطيء مقارنة بما هو عليه اليوم. الطرق اليوم اصبحت اكثرها مخصصة لهذه المركبات السريعة والتي اصبحت باعداد هائلة تزداد في متوالية عددية عالية بحيث باتت تهدد الطبيعة الانسانية البطيئة الهادئة والتي اعتاد عليها الانسان لقرون عديدة. لقد اسرعت هذه المركبات من وصول الانسان الى اهدافه الاقتصادية والمالية والعسكرية ولكنها ابطأت من تحقيق الاهداف الطبيعية التي نشأ عليها. لا يمكن فصل الانسان ابدا عن الطبيعة مهما ازداد استخدامه للتقنية الهندسية. الانسان له جينات طبيعية قوية جدا في هويته الفكرية وهيكليته الجسمية. هذه الجينات تنمو معه وتتناقلها الاجيال لانها جزء من تحقيق الذات الانسانية.

ولهذا بامكاننا من منطلق المنظور الانساني ان نتسائل: ما هو الامر المدهش في “المشي” على هذه المسارات الطبيعية؟ ولماذا تختلف هذه المسارات عن جميع طرق الانتقال الاخرى؟ وما هي صفات “مسارات المشي” التي تدعو الانسان لنزعة التمشي؟ كيف يرتبط ويتشابك المحيط حولها ويأخذ هويته التاريخية والثقافية من خلالها؟ لقد رأينا عنصر مهم لغاية الان وهو اننا كنا نمشي ليس من اجل الوصول الى الدير او الحقل او قمة الجبل او الى الوديان والحقول، ولكننا كنا نمشي فقط من اجل التمشي نفسه! لقد كان المشي بالنسبة لنا حينها هو الهدف بحد ذاته، من اجل الاستمتاع برؤية البلدة وحقولها من قمة الجبل او رؤية البلدة والجبل من الحقل. ولكن هذه الاهداف (الاماكن) كانت بالنسبة لنا نحن “المشاة” فقط من اجل اعطاء محتوى لتلك الجولات. واحيانا ربما كان هنالك سبب وهدف اثناء الانطلاق، ولكن في الطريق وقبل الوصول الى الهدف، تسحر الطبيعة السائر وتغير من حالته بحيث ينسى الهدف الذي كان قد انطلق من اجله ويرجع الى ذاته الداخلية التي سحرتها تلك اللحظات. انها لحظات التواصل مع الذات الانسانية وهو شعور داخلي عميق حقا.
ومع غياب الهدف عند السائر هناك عامل اخر يرتبط مع فعالية المشي الا وهو عامل الابطاء. لن تجد الاستعجال عند المشاة ابدا. بامكان الفرد الماشي ان يتوقف في اية لحظة من مسيرته ويتامل الطبيعة ويلتفت الى جميع عناصرها المؤثرة حينها على بصيرته وكل ما يرى ويسمع من حوله. وبامكانه ان يعزل نفسه نفسه عن جميع المؤثرات الخارجية ويتعمق ويغطس في مخيلته الواسعة. الفرد الذي يمشي يميل دائما للاستغراق في الاحلام.

ومن اجل الوصول الى هذه الحاجة تاتي اهمية شكل المسار الذي يسلكه الانسان اثناء المشي. وبامكاننا نحن ان نتخيل هذه المسارات البطيئة اذا ما قمنا بمقارنتها مع مسارات الطرق، وخاصة السريعة منها. طريق السيارة هو انتاج تقني. لقد تم تصميمه خصيصا من اجل هدفه في الوصول الى مكان معين ويتم ذلك من خلال اختراقه الطبيعة. حيث يتم ازالة جميع المعوقات امامه وتقوية قاع التربة من تحته ومن ثم ايضا تبلطيه بالاسفلت. طريق السيارة صلد وصلب في هيأته ويعزل نفسه بخطوط صارمة عن الطبيعة المحيطة حوله. والتبليط يعزل القدم عن جسم الارض ايضا. اطراف الطريق ترسم نفسها بصورة دقيقة وحادة: وما هو موجود على الطرف الاخر من حافة الطريق يمثل عالما اخر بالنسبة الى مستعمل الطريق حيث يرى من الطريق منظور طبيعي يقترب منه ويدخل فيه رغم الحاجز الزجاجي (زجاج السيارة او المركبة) الذي يفصله عنه. وكلما ازدادت سرعة المركبة التي يجلس فيها المسافر يتباهت المنظر بحيث يتحول اخيرا الى بانوراما فقط.
اما “مسار المشي” فهو عكس ذلك في كل شيء، حيث ان الوصول الى الاهداف لا يتم عبر مبدأ “اقصر الطرق افضلها”. مسارات المشي تنساب مع الطبيعة حولها وتتاقلم مع عناصرها وتفاصيلها وتلتف وتدور حول الحواجز الطبيعية وتاخذ شكل الحقل والمجال التي تمر فيه. هذه المسارات البطيئة، مسارات المشي، لم يتم استخدام المكائن الثقيلة في بنائها، اما ارضيتها فلم يتم تكوينها وتشكيلها وتركيبها صناعيا ، ربما بعض الحجارة على حافتي المسار من اجل عدم اختراقه من قبل الاعشاب حوله واحيانا اخرى بعض الجسور الخشبية الاولية اذا مر المسار من خلال مستنقع مائي. على السائر ان يتلائم مع الارض التي يمشي عليها، ان ينسق وقع خطواته مع طبيعة المسار تحته فهو يتغير باستمرار الطبيعة التي يخترقها. والذي يتعثر كثيرا اثناء المشي على المسار الطبيعي فيعني ذلك بانه ليس ملما بالطبيعة التي يمشي عليها ابداً. خطوات قصيرة واخرى طويلة يتخذها السائر المحنك والذي سار مرات ومرات على المسار. المشي ينساب بسرعة وهدوء ورقة ودقة كانسياب ضفاف البحيرة على الطبيعة من حولها. ولهذا لا يمكن الفصل بين الرجل الماشي (او المرأة الماشية) والطبيعة التي يمشي عليها. الطبيعة في هذه الحالة ليست فقط منظرا يمر السائر من خلالها، ولكنه يصبح واقعيا جزء منها.  


لقد مرت علينا المميزات الاساسية للمشي واحداها: المشي والتجوال لا يتربط مع الهدف والنفع. الانسان يريد ان يتجول فقط. انه يريد الخروج من البيت، الخروج من عالمه اليومي الاعتيادي. انه يبحث عن محيط ليتجول فيه، ولكن ليس من اجل هدف معين يذهب اليه. ولان التمشي ليس مرتبط باي هدف، فاصبح ذلك من اقوى صفاته. الشخص الذي يمشي يريد ان يكون في الطريق فقط، ولكن ليس من اجل الوصول الى جهة محددة. عندما كنا نتجول في القوش من دون هدف كنا نلتقي باصدقائنا يمينا ويسارا. اكثرهم يتجولون مثلنا من دون هدف. فقط وعندما كان يطرح علينا السؤال: والى اين انتم ذاهبون؟ حينها كنا ندرك باننا نمشي من دون هدف! ليس للتجول او التمشي اي منفعة مادية او غير مادية، وليس له اي هدف مكاني يجب الوصول اليه، انه عديم المنفعة والهدف!

ان التجول من منظور شخص حكيم ليس فيه اية حكمة. وفي نظرهم على الانسان ان يتخذ الطريق الذي يوصله الى الهدف. لا ينبغي على الانسان من منظور الانسان العاقل الحكيم ان يبتعد كثيرا عن هدفه ويتيه في مسارات جانبية تمنعه من الوصول والعودة الى اهدافه. والذي يتجول بهذه الطريقة عليه ان يكون له من الصبر الكثير لكي يكون بامكانه من معرفة الاتجاهات التي ترشده الى المسارات البطيئة تلك. يجب ان يكون له القليل من الحكمة لكي يعرف حينها بانه الان يمشي من “دون هدف” وفي مسارات بطيئة بامكانه ان لا يستعجل فيها. وهنا نصل الى العامل الثاني الذي يحدد هوية التجول والتمشي الا هو عامل الزمن. السرعة تتلاشى كليا في ذهنية المتجول. المسارات البطيئة لا تعرف السرعة ابداً. والذي يمشي عليها ايضا عليه ان يعرف بانه على طريق لا يحتاج الى السرعة في الانتقال. على الفرد الذي يمشي ان يدرك بان الوقت كله له وانه قد هرب من جحيم السرعة التي اعتاد عليها في حياته اليومية. المشاة يحتاجون الى الوقت ليستمتعوا بجمال الطبيعة حولهم وليتعمقوا في البحث عن الجمال والسحر في النباتات والاشجار والشجيرات والمياه والحيوانات وتضاريس الطبيعة من صخور وكهوف ووديان وحقول واصوات الطيور وزقزقة العصافير وصفاء المياه وجمال السحب والسماء الزرقاء، الفراشات الجميلة الملونة التي تبحث عن الورود والنحل الذي يطير من زهرة الى اخرى ورائحة الطبيعة. كل منا بامكانه ان يتعمق بذكرياته السعيدة ومن تجربة مماثلة كلما تجول في الطبيعة. الوقت والعالم يتلاشيان موقتا ويبقى الانسان منتعشا بلحظات الحاضر مع الطبيعة وكانها عطلة مستمرة. ربما من المبالغة بان نقول الوقت يتلاشى تماما في مثل هذه اللحظات، ولكن بامكاننا ان نقول بانه يفقد حينها وظيفته في محاصرتنا وتقييدنا واحتلالنا وتعبيدنا وتصغيرنا وتخويفنا الى درجة ما. الوقت يبقى خَلفُنا في مثل هذه اللحظات. فقط وعندما كان ينتهي النهار عندها، والشمس تغرب في الافق، كنا نشعر حينها بوجود الوقت. ولكن هذا الوقت هو نوع اخر من الوقت، يختلف عن ذلك الوقت الذي نالفه على الخط السريع. انه وقت هاديء ويجلب السكينة والشعور بالراحة والطمأنينة. انه الوقت الذي يعمل مع الانسان، وليس ذلك الوقت الذي يعمل ضد الانسان.

سعادة المغادرة والانطلاق للمشي تجعلنا ان نرجع مرة ثانية الى تساؤلنا في البداية: لماذا نمشي؟ ما هو الامر الذي يجعلنا نشعر بلذة التجول والتمشي من دون هدف؟ وكيف ينظر اليها الانسان المتمدن حاليا الى رغبة التجوال والتنقل والتنزه؟ لقد اشرت في البداية الى ثلاثة خصائص ومميزات التمشي والتجول: من دون هدف، عدم الشعور بالوقت وعديم المنفعة! من خلال هذه المميزات بامكاننا معرفة الوظائف الحيوية للتجوال والتنزه وخاصة للانسان المتحضر اليوم. ان المشي والتجوال هو طريقة لكسر نظام الحياة الحالي عند الانسان المتحضر والذي يدعو الى الاستفادة الكاملة والتامة للوقت في تحقيق فعاليات اساسية الهدف منها تامين الرصيد العالي من الامتيازات ذات المنفعة المادية والاهداف الكبيرة العالية. من خلال التمشي والتجوال والتنزه بامكاننا من الابتعاد قليلا عن هذا النظام: الاختناق في المدن، من خلال ميزة سرعة الرتابة في التشكيلية الاساسية للنظام المدني-الحضري، الناس تريد الخروج منه الى الطبيعة، في اكثر المدن الكبيرة محاولات كثيرة لانشاء شبكة جيدة للمسارات البطيئة فربما بامكانها من اختراق النظام الصارم للانسان وتجعله يفكر بانتظام في العودة الى المشي من اجل المشي فقط!

هذه العلاقة الحميمة بين الطبيعة والانسان نجدها واضحة وقوية في فعالية المشي في الطبيعة. الانسان له ذكريات عديدة كانت الطبيعة مسرحا لها، وهو من خلال العودة الى بعض المناطق الطبيعية القريبة منه بامكانه من اعادة غيمة الذكريات تلك في هيئة جديدة. هذه الظاهرة لا تعني الاستغناء عن المستقبل، بل ملؤه بدوافع انسانية حقيقية. اذا كانت الطبيعة التي ولدتُ وعشتُ فيها لعقود عديدة هي مركز الحياة والذكريات، لا يعني ذلك بانني قد استغربت عنها اليوم، بل ان الطبيعة حولي هي استمرار لتلك الطبيعة ايضا. الطبيعة الام تبقى مركز الحياة. واذا كان هذا المشي في الطبيعة وفي هذا الصفاء والنقاء الصوتي واللوني والهوائي يذكرني بتلك الطبيعة الاولى في بلدتي القوش، فان وجود هذه المحمية الطبيعية بقربي تجعلني استمتع بفعالية التمشي البطيء ولو كان ليوم واحد في كل موسم جديد فهو انتقال تدريجي في انتقاء تلك الذكريات الشخصية القوية وبرمجتها مرة اخرى مع مسيرة الحياة الحالية. ان ارجاع تلك الذكريات الحميمة بحلة جديدة يزيد من الثقة بين الانسان ومسكنه الجديد. ومن ناحية اخرى علينا ان لا نفهم هذا الرجوع الى الاصل بمعناه الموقعي-الفضائي فقط، انه الرجوع في الانسان نفسه، الى أرض ذاته والتي هي “ارض جميع الاشياء”. واذا كان لا مفر من  تردد صدى الذكريات لزمن الطفولة، ومع ذلك فان الامر اكثر من ذلك بكثير: انه الرجوع والعودة الى تلك الطبقة العميقة من ذات وكينونة الانسان التي عاش فيها “قبل” السيطرة التقنية على العالم وما صاحبه حينها من الفصل بين “الموضوع” و “الكائن”، وحتى “قبل” الاختراق العقلاني للوجود، و “قبل” انبثاق عالم المهن والحرف والتقنية- خلاصة: حتى قبل ان يغترب الانسان من نفسه، وقبل ان يرتسخ الانسان بالاشياء والتزامه بها، فان التجول والتمشي من غير هدف في الطبيعة يُمَكِنُ للشخص من تجربة تجديد كيانه.

هذا كله يفسر المعاني الكثيرة للتجول والتمشي في حياة الانسان. وكما تقول الحكمة الاغريقية حيث من خلال التواصل والتفاعل مع الارض فان الانسان يحصل على قوة جديدة. ولهذا يبقى الانسان حيويا كلما مشى في الطبيعة. والانسان هو الكائن الوحيد الذي بامكانه من خلال الاستمرار في المشي في الطبيعة من اعادة الشباب لحياته.

Nationaal Park De Groote Peel*
بارك (De Groote Peel) هو محمية طبيعية في جنوب هولندا مساحته 1348 هكتار وقد مشينا فيه (اخي عصام) وانا قبل عدة ايام وجميع الصور هي لمسارات هذه المحمية الكبيرة والاماكن الجميلة والمتنوعة ايضا. الصور ليست الا وسيلة للتعبير عن روح هذا المكان. اما الاحاسيس التي يشعر بها السائر فقد تختلف كثيرا من شخص الى اخر بالطبع وتعتمد ايضا على مدى علاقته الشخصية مع الطبيعة.   
 

نُشِرت في مقالات, اطلس القوش العمراني | الوسوم: , | أضف تعليق

لقاءات وحوارات مع “العائلة المعمارية البولندية” لكلية العمارة في جامعة فروسلاف التقنية/بولندا

بعد 40 عاما!
لقاءات وحوارات مع “العائلة المعمارية البولندية” لكلية العمارة في جامعة فروسلاف التقنية/بولندا
عماد رمو Emad Rammo/ هولندا اذار 2022م

قبل اكثر من سنتين بدأنا نحن طلبة العقد الاول من قسم العمارة في جامعة الموصل بكتابة ذكرياتنا عن اساتذتنا البولنيين والذين قدموا الى الموصل لتعليمنا العمارة في نهاية سبعينينات وبداية ثمانينات القرن الماضي. لقد كتبنا ذلك معا من منظور طلبة ذلك العقد التاسيسي للقسم. واليوم وبعد اكثر من اربعة عقود مضت حزمت حقائب السفر وذهبت الى اساتذتي الافاضل ومن تبقى منهم على قيد الحياة، ومع عوائلهم وابنائهم لاقوم بتوثيق هذه الذكريات من منظورها البولندي الان.

في هذا المقال
مقدمة
جولة في مدينة فروسلاف Wrocław  البولندية في 16 اذار 2022م
لقاء مع مساعدة عميد كلية العمارة لشؤون العلاقات الخارجية المعمارية السيدة د. Joanna Jabłońska
حوارات ذو شجون مع العائلة المعمارية البولونية في كلية العمارة/ فروسلاف
جولة في اروقة كلية العمارة في جامعة فروسلاف برفقة الدكتورة تيريزا Teresa Romaszkiewicz-Bialas
جولة في حرم جامعة فروسلاف التقنية ومدينة فروسلاف برفقة الدكتورة تيريزا
مناظرة معمارية في اروقة متحف الشعوب/ وارشو حول التعاون الاكاديمي البولندي-العراقي 17 اذار 2022م واللقاء مع المعمارية د. مغدالينا كرونه Magdalena Gruna بنت المرحوم الدكتور كرونه
عمارة وارشو بين المنهجين الاشتراكي الشمولي والراسمالي الليبرالي 18 اذار 2022م
النهر بين وارشو القديمة وموصل القديمة 19 اذار 2022م
خاتمة

مقدمة
عندما قررت السفر الى بولندا لزيارة اساتذتي البولنديين قبل اكثر من خمسة اسابيع لم تكن الحرب في اوكرانيا قد بدأت. ربما لا يوجد شعب اخر على الارض مثل شعبنا العراقي يعرف ماذا تعني الحرب. لكل جيل حرب واحدة ولنا نحن ذلك الجيل حروب عديدة لا نتذكرها فقط ولكنها تعيش معنا كل يوم. المشكلة الكبيرة في الحروب المدمرة انه بامكان الجيش من البدء بها ولكن ليس له السيطرة في ايقافها. الجنود يبدأون الحرب ولكن المدنيون يدفعوا ثمنها لاحقا والمعماريون عليهم اعادة اعمار ما درمه السياسيون والعسكريون. هناك حروب قذرة في التاريخ وهي تلك التي بدأت باكاذيب سياسية وتاريخية واقتصادية حيث من السهل اطلاق القذيفة الاولى على العدو ولكن من الصعب جدا الانتصار عليه.
وعندما كنا ندرس العمارة في جامعة الموصل قبل اربعة عقود كان حاكمنا الطاغي قد بدأ باحدى تلك الحروب والذي ندفع نحن المدنيون ولغاية اليوم اثمانا باهضة جدا لطيشه وعدوانيته. اما اساتذتنا البولنديون، والكبار منهم خاصة مثل البروفيسور باج والبروفيسور سولوفي والبروفيسور جيرجاك والبروفيسور مالاخوفيج فكانوا قد انتهوا حينها من اعادة اعمار مدنهم المدمرة وارشو وفروسلاف وغيرها. ورغم ان اوروبا هذه القارة التي عانت كثيرا من ويلات تلك الحرب لم تكن تتوقع بانه وبعد سبعة عقود من السلام المتواصل ستطحنها حرب “عالمية ثالثة” سيدفع الجميع ثمنا باهضا لها.   

في حين ان الرحلة بين امستردام ووارشو لا تستغرق في الطائرة الا اقل من ساعتين، الا ان هذه الساعات القليلة التي يكون فيها المسافر عالقا بين السماء والارض يجعله ينظر الى العالم بمنظور اخر كنا نسميه نحن في مصطلحاتنا المعمارية حينها بمنظور الطير. وبعد ان ارتفعت الطائرة عاليا فوق الغيوم وجدت بانه من المفيد العودة الى كتابي الذي كنت احمله معي لكي اقتل فيه الوقت فغالبا ما تكون هذه القراءات متقطعة وسطحية بسبب اغراءات المكان الكثيرة وخاصة عندما يكون المكان متحركا. ومع ذلك فقد توقفت كثيرا عند فقرة واحدة من تلك الفقرات التي طالعتها حيث تقول: “ماذا يعمل الكُثَّابُ عندما ينظرون حقا نحو العالم؟ ربما لا يعملون اكثر من انقاذ الحياة لتلك الاشياء التي كتب لها الموت- وهنا المقصود به نوعان من الموت، الصغيرمنه والكبير. انهم ينقذون هذه الاشياء من الموت الادبي لها. اما الموت الاخير، فهو الموت الكبير وهو الموت الفعلي لها….” وربما نحن في توثيقنا لمسيرة العقد الاول لتاريخ القسم المعماري لجامعة الموصل في السنتين الاخيرتين قمنا بانقاذ الكثير من الاشياء -التي حدثت حينها- من الموت الكبير لها.

جولة في مدينة فروسلاف البولندية 16 اذار 2022م
الرحلة الليلية في القطار من واشو عاصمة بولندا الى مدينة فروسلاف Wrocław في جنوبها الغربي كانت رحلة سريعة رغم المسافة البعيدة بين المدينتين. والذي يتطلع على تاريخ هذا البلد الكبير يجد بان مدينة فروسلاف القريبة من المانيا كانت من احدى المدن التي تتبع في اسلوبها “المعماري-التاريخي” المنهجية الالمانية للعمارة اسلوبا وتصميما. انها اقرب كثيرا الى العمارة الاوروبية الغربية من تلك الشرقية منها. انها مدينة بولونية الان ولكن لها تاريخ الماني عريق ايضا حيث كانت سابقا ايضا وقبل اندحار النازية جزء من اجزاء الامبراطورية الالمانية الثالثة. انها مدينة لا تختلف ايضا في هيأتها واجوائها عن اية مدينة المانية او هولندية او بلجيكية فهي من المدن التي تملتك روحا خاصا بها. هناك الكثير من المدن في العالم التي ليس لها اية خصوصية او هوية يمكن تذكرها لاحقا. ولكن فروسلاف Wrocław هي مثل تلك العروسة الانيقة والجميلة والتي لا تحتاج الى مساحيق تجميل كثيرة من اجل ان تتباهى بجمالها وزهوها واناقتها بين صديقاتها من المدن. فيها يلتوي نهر الاودرا Odra مرات عديدة فيشق فيها جزر صغيرة عديدة ترتبط مع ضفتي النهر ومع بعضها بجسور حديدية بعضها قديمة جدا بقدم صناعة الحديد في اوروبا. وفي كل جزيرة عدة مبان تاريخية مهمة واخرى كنائس تشق ابراجها سماء المدينة الزرقاء ومنها ابراج كاتدرائية فروسلاف للبروفيسور الراحل ادموند مالاخوفيج Edmund Malachowicz والذي كان استاذا محاضرا لمادة التاريخ -المعماري /تاهيل التراث المعماري- عندنا ايضا. ساحات واسعة في المركز التاريخي القديم لها تشهد على العمق الزمني والحضاري لهذه المدينة المتميزة في بولندا. جولة سريعة الى هذا المركز للاطلاع على اجواء هذه المدينة قبل الذهاب مباشرة الى كلية العمارة في جامعة فروسلاف التقنية والتي “استشرق” منها اساتذتنا الكرام. لقد اختارت الباحثة دوروتا بصورة دقيقة ترتيب برنامج هذه اللقاءات وكلما تقترب الساعة من الدخول الى اروقة هذه الكلية تشدني اللحظات مرة اخرى الى اربعة عقود مضت! كم هي تلك اللحظات في حد ذاتها مرعبة لطالب معماري من جامعة الموصل سيدخل من تلك البوابة التي كان يدخل منها البروفيسور باج Zbigniew Bać والبروفيسور جيرجاك JÓZEF GIERCZAK، سيمر من تلك الاروقة التي كان يمشي فيها الدكتور كرونه Kazimierz Gruna والدكتور روميك Romuald Pustelnik, ويصعد بتلك السلالم التي صعد منها ايضا الدكتور فريديسكي Janusz Frydecki والبروفيسور سولوفي Stanisław Sołowij والبروفيسور مالاخوفيج Edmund Malachowicz. وسيدخل الى تلك القاعات التي كان اساتذتنا: د. ارتور، دكتورة تيريزا، د. بلجاريسكي، البروفيسور جورج، د. مارك، د. زاماج وزملائهم يدخلونها كل يوم. هكذا اصبحت عقارب الساعة تدنو الى اللحظة التي انتظرتها اكثر من اربعة عقود.

لقاء مع مساعدة عميد كلية العمارة لشؤون العلاقات الدولية المعمارية السيدة Joanna Jabłońska
تخيفني اللقاءات مع الغرباء كثيرا. في كل مرة اجد نفسي امام حوار مع شخصية اقابلها لاول مرة تشدني اللحظات الاولى التي يمكنني من خلالها الاستمرار في حوار يحدث لاول مرة وكيف سيكون بامكاني من كسر جدار الرسميات والمجاملات التي تعودت عليها المؤسسات العلمية الكبيرة في اوروبا حيث انها في الكثير من الحالات يجب ان تمر جميع مثل هذه المقابلات في بروتوكولاتها المعروفة. لم يكن لي علم مطلقا في المواضيع التي سيشملها هذا اللقاء والتي خصصت له السيدة المعمارية Joanna Jabłońska بحدود الساعة من الوقت. ان اللقاء جاء بطلبها الشخصي بعد ان شاهدت الفيلم التاريخي الذي قدمه المعهد الالماني للدراسات الشرقية في وارشو بعنوان “الفضاءات المشتركة” حيث رسم هذا الفيلم صورة العلاقة الاكاديمية بين جامعة الموصل وجامعة فروسلاف التقنية البولونية. الرواق الذي كان علينا ان ننتظر فيه رواق طويل وعريض وعال بعض الشيء وسقفه سلسلة من القبب التي تستند على اقواس بدورها تلك التي تحملها اعمدة الرواق الكثيرة. قبل كل لقاء هناك الكثير من لحظات الصمت التي تسبقه دائما. المبنى التاريخي العريق والذي صمم من اجل كلية العمارة نفسها هو مدرسة بنائية-معمارية بحد ذاته. عمارة وهوية هذا المبنى تضيف الى الزمن الذي انتظرته ازمان اخرى. الطلبة سابقا كانوا يتعلمون من النظام المعماري والانشائي الذي شكله هذا المبنى، اي انه مختبر دائم لدراسة تفاصيل وتاريخ العمارة. الجدران الصماء السميكة الصلبة وتقبب السقوف يجعل من اصوات الطلبة  تظل صداها المدوي في اذني كغوغاء الجراد القادر على الطيران فوق الحقول.

وعندما حان موعد اللقاء فتحت لنا الباب القديم سيدة انيقة في اوج نشاطها المهني امامها سنين عديدة للعمل في وضع كليتها، كلية العمارة، على اجندة العمارة العالمية. سيدة كانت قد هيأت لنا بعض محاور الحديث الذي من خلاله لابد ان يكون هناك من معرفة بانه كان لهذه الكلية وقبل اربعة عقود مضت اختا لها في الموصل. هكذا بدأت الباحثة الدكتورة دوروتا الحديث معها من اجل بحث امكانية البدء ولو ببضع مبادرات التعاون او ربما التنسيق للبدء في ذلك. كله من اجل ان لا ينس بان اساتذتها انفسهم هم الذين درسوها ودرسونا كذلك. انها اصغر منا بكثير ولكن يبدو بان جميع اساتذتنا قد استمروا بواجبهم الاكاديمي في جامعة فروسلاف بعد رجوعهم من الموصل الى بولندا. وبعد ان انتهت دوروتا من مقدمتها والتي كانت قد حضرت لها كثيرا ونحن في القطار، جاء دوري لكي اطلعها بما توصل اليه خريجو هذه الكلية بقسمها الثاني في الموصل، واطلعتها على فقط ما قد جئت به لها من بعض الصور عن تلك المشاريع التي صممتها في مراحل دراستي المختلفة واخرى ايضا في فترة العمل ومشروع ثالث هو مشروع الماجستير في هولندا. ومن خلال هذه الجولة التي رافقتها من الاشارة الى اسماء الاساتذة والمشاريع التي صممناها اثناء وجودهم تبين بان هذه المشاريع ولغاية اليوم يتم استخدامها كمنهج ثابت لكلية العمارة في فروسلاف. لقد تعجبت السيدة Joanna Jabłońska  كثيرا من مستوى التصميم والرسم المعماري والاظهار المعماري الذي كانت تحلمه تلك المشاريع. وقد كانت مسبقا قد اطلعت على الكثير من المشاريع التي نشرناها سوية في الفترات الماضية. ويبدو لي بان المعماري يحتاج دائما الى ذكريات متشابهة تعيد اليه احداث التخمر الفكري المعماري الذي ياتي غالبا من اصرار الاساتذة على الحفاظ ليس فقط على مستوى المنهج المعماري ولكن ايضا على حصر اختيارات الطالب المعماري في زاوية حادة لا تسمح له بان يشارك الافكار السيئة فيها. غربلة الافكار المعمارية وتحليل النتاج المعماري يعتمد بصورة كبيرة ايضا على قيادة وسيطرة الاستاذ المعماري. فكلما تغيرت تلك الزاوية الى اخرى منفرجة لضاعت حينها قدرة الكلية في الحفاظ على احترام مهنة العمارة.

وفي اثناء الحديث عن مسيرة قسمنا المعماري في الموصل والاوضاع السيئة التي مر بها في فترات متعددة بعضها بسبب الحصار اللعين واخرى بسبب احتلال الموصل وتوقف الدراسة في الموصل واستمرار اساتذته من ابناء الموصل في خدمة طلبة القسم من محافظات اخرى وكيف ان طلبة البارحة اصبحوا اليم ليس فقط اساتذة في الموصل ولكن رفدوا الكثير من اقسام العمارة في المحافظات الشمالية بكادر اكاديمي اعتمد منهج المدرسة الفروسلافية في العمارة وسيله له في نشر العمارة. لقد رحبت جدا السيدة Joanna Jabłońska بمبادرة قسمنا مرة ثانية في استثمار العمل المشترك السابق واهمية الاشارة الى دور المؤسسات الاكاديمية في توثيق العلاقة بين الشعوب. وهناك الكثير من المقترحات التي طرحت في هذا اللقاء من اجل ادامة هذه العلاقة وسانقل جميع هذه المقترحات الى رئاسة القسم المعماري في جامعة الموصل وكذلك للأخوة الاكاديميين من زملاء تلك الفترة والذين يعملون الان في جامعات اخرى. وقد حملتنا ايضا بعض الاصدارات التي تقوم بها كلية العمارة في جامعة فروسلاف التقنية. لقد كان لقاء مثمر حقا وهو يمثل نقطة البداية الجديدة. 
واثناء الحديث معها اعربتُ انا ايضا عن نيتنا اقامة معرض لانتاج طلبة الموصل (فترة العقد الاول) من مشاريع وصور وافلام على بهو اروقة كلية العمارة في فروسلاف في المدة القادمة حيث شرحت لها بمساعدة الصور التقنية المعمارية واجادتنا التامة للتصميم والرسم المعماري حيث ابدت اعجابها الكبير في مستوى تلك الاعمال تصميما واسلوبا ورسما وتقنية. عندها جائتني فكرة ان اتبرع بجميع مخططات مشروع الماجستير لي (صممته عام 2002-2003) في جامعة ايندهوفن حيث استعملت حينها فقط قلم الرصاص وشيتات كانسون البيضاء. وقد فرحت جدا بهذه المبادرة وحسب راي فانه لا توجد مؤسسة تستحق هذه المخططات غير كلية العمارة في فروسلاف حيث انها خلاصة المدرسة الفروسلافية في العمارة والتصميم وتقنية الرسم والاظهار المعماري.

حوارات ذو شجون مع العائلة المعمارية البولونية في مدينة فروسلاف
وبعد ان انتهى اللقاء الرسمي المثمر مع المعمارية السيدة Joanna Jabłońska مساعدة العميد للشؤون الدولية في كلية فروسلاف للعمارة وخرجنا دوروتا وانا بسرور من مكتبها اصرت ان ترافقنا الى الغرفة التي كانت تنتظرنا فيها “العائلة المعمارية الكبيرة” التي زاد شوقنا لملاقاتهم ومعرفة اخبارهم. ومن رواق كبير الى رواق اصغر منه يتفرع الى عدة صالات بجوارها غرفة للاساتذة تتوسطها منضدة كبيرة مربعة الشكل بيضاء تجمعوا على جوانبها في جلسة تحققت بعد اكثر من اربعين عاما.
ترى ما الذي يحمله هذا الضيف من قصص وحكايات وما الذي سيسمعه هو ايضا من حكايات طريفة من اساتذته وابنائهم؟ كلها لحظات قليلة وستتوضح الامور والاشياء اكثر فاكثر.
وكالعادة وكما كان والدها المرحوم البروفيسور باج هكذا استقبلتنا البروفيسورة الدكتورة المعمارية انا باج Anna Bac حيث صافحتها اولا ثم تقدم البروفيسور الدكتور جورج Jerzy Charytonowicz بعض الخطوات فصافحته بحرارة وهو ضاحكا مبتسما كعادته ثم الدكتورة المعمارية الهادئة تيريزا Teresa Romaszkiewicz-Bialas بابتسامتها المعهودة وبعدها ولاول مرة صافحت الكسندرا جيرجاك  Aleksandra Gierczak-Bujak بنت البروفيسور الكبير جيرجاك حيث جائت خصيصا لحضور هذا اللقاء ثم اخيرا عائلة الدكتور المحبوب فريديسكي حيث حضرت زوجته الدكتورة ايرينا فريديسكي  Irena Frydecka  وابنته دوروتا فريديسكي Dorota Frydecka وحفيده اندريه فريديسكي    Andrzej Frydecki.

وكعادة الاوروبيين فهم لا يتركون شيئا للمصادفة ولا يبعثرون الوقت ابدا هكذا كانت انا باج قد جلست في صدر الغرفة منسقة لهذا اللقاء حيث كانت مبادرة منها بابلاغ الحضور ومن غابوا عن اللقاء: الدكتور روميك والدكتور مارك (بلجاريسكي يسكن في ميدنة بعيدة اخرى وارتور يسكن في وارشو ولكن لا تسمح صحته بحضور اللقاءات اما المعمارية مغدالينا كرونه فقد فضلت اللقاء في وارشو حيث تسكن وتعمل فيها الان). هكذا كانت اللحظات الاولى ثمينة جدا بمعاينة الوجوه المبتسمة والضاحكة في يوم اشرقت الشمس بهدوء انسل شعاعها الذهبي من الشباك الكبير في واجتها اضاف لبهجة اللقاء اجواء الفرح الكبيرة.

ما الذي بامكاني قوله اليوم امام هذه العائلة المعمارية التي جاءت لاستقبال هذا الضيف وبعد 40 عاما والذي اصبح وبعد اقل من اربعة دقائق يحس بانه واحد منهم! اللقاء كان مخصص له ساعة ونصف فقط وكان لابد ان ياخذ كل منا نصيبه من الكلام ورواية القصص والحكايات. هكذا ارادات انا باج ان تسمح للجميع بان يقدموا انفسهم للجميع وهم جميعا قد زاروا الموصل في ثمانينات القرن الماضي (عدا حفيد فريديسكي) حيث زوجة فريديسكي الدكتورة ايرينا كانت ايضا استاذة في كلية الطب وعملت فيها بحدود السنة اما انا باج والكسندرا جيرجاك فقد حضروا مع ابائهم الى الموصل ربما لموسم واحد من اجل التعرف على ثقافة ومجتمع جديد بالنسبة لهم. لقد جلس على يساري استاذي البروفيسور د. جورج وامامي كانت الاستاذة المحبوبة د. تيريزا وعلى يميني الباحثة والمترجمة الرائعة د. دوروتا وعلى يمينها رئيسة الجلسة الدكتورة انا باج وامامها عائلة الاستاذ المحبوب الدكتور فريديسكي حيث حفيده قد جلس في حضن امه منشغلا باحدى لعب الايباد معه. وبعد ان انتهى الجميع من تقديم انفسهم حيث كانت قصة الاستاذ المحبوب جورج طويلة بعض الشيء يشرح فيها كيف جاء وعمل في قسمنا بعد ان كان استاذ في جامعة صلاح الدين في اربيل حينها (د. تيريزا ود. جورج هم زملاء من نفس الدورة). ثم جاء دوري لتقديم نفسي فطلبت من رئيسة الجلسة وقتا اضافيا لاني لا امثل نفسي ولكن امثل جميع طلبة ذلك العقد التاسيسي الاول الجميل. وبعد نبذة شخصية قصيرة، ورغم اني كنت قد حضرت كلمة رسمية (باللغة الانكليزية) الا ان الحضور وباجماع كبير فضلوا ان يكون التحاور فقط باللغة  العربية والبولندية ويعود الفضل في ذلك لاتقان الباحثة دوروتا اللغة العربية بصورة جيدة وخاصة الجزء الكلامي منها. وبعد ذلك بدأت بسرد لبعض الذكريات وخاصة القصص الطريفة عن الاساتذة من المنظور الطلابي الموصلي وكنت قد جمعتها اثناء توثيقنا ارشيف هذا القسم الرائع. وهم ايضا قد تذكروا تلك الاحداث لابل اضافوا اليها احداث اخرى من منظورهم البولوني. لقد اخبروني جميع بان تلك الفترة هي اجمل فترة في حياة اساتذتنا وعوائلهم وحتى ابنائهم الذين يودون زيارة الموصل مرة اخرى من اجل استذكار تلك الاماكن وبعد كل هذه الفترة الطويلة من الزمن.
وبعد ان انتهت الجولة الاولى من اللقاء طالبت رئيسة الجلسة البروفيسورة انا باج من الحاضرين مرة اخرى التعقيب على كل ما طرح من احاديث وحكايات وهنا ايضا فقد اعرب جميعهم استمتاعهم بما تختزنه ذاكرة القسم وطلبته عن اساتذتهم حيث كنت قد اعددت ملفا صغيرا بذلك ثم هنا ايضا وضعت على الطاولة المربعة الواسعة الصور التي جلبتها معي من اجل ان يطلعوا عليها ومن اجل رفع اجواء اللقاء مرحا وضحكا بدأت اشرح لهم كيف كنا نحن الطلبة نعيش ايامنا الجميلة حينها مع هؤلاء الاساتذة وكيف كنا نتعامل معهم والزيارات التي كانت تحدث احيانا خارج اسوار الجامعة ومشاركتهم لنا في بعض نشاطاتنا الانسانية. ومرة اخرى تحدثت عن الفرق بين الطريقة الفريديسكية والتيريزية في رسم المنظور عندها تحدثت د. تيريزا عن استعمالها الخيوط مع غبار الطباشير الملون وكيف كانت تطبع التمرينات من اجل الطلبة كي يتدربوا عليها اما د. فريديسكي فكان يفضل ان يرسم المنظور على بورد الرسم للطالب الشاطر المتميز والحلقة الاولى من الطلبة ينظرون اليه ليتعلموا منه اسرار طريقته ثم يلتم الطلبة مرة اخرى لفك اسرار تلك العملية وكيف كان فريديسكي يكتشف تجميل الطالب لمنظوره بعدم تسقيك النقاط وكما هي في المخططات حيث كان حينها قد تعلم كلمة “تلطيش” وطبعا قصة السيكارة التي لم تكن تفارق شفتاه ابدا واحيانا كان ينسى سيكارته بين اصابع يده اليسرى تحترق الى النهاية. اما الاستاذ جورج فقد روى قصة تدخينه سيكاير بغداد وسومر بدلا من السيكاير الاجنبية حيث كان هذا السؤال غالبا ما يطرح عليه من قبل طلبته فكان يقول لهم بان سيكاير بغداد هي من السكائر القاتلة افضل من تلك الروثمان والكرفن الخفيفة. وطبعا تحدث ايضا عن طريقة اخذ النقد المعماري وما يتذكره عن تلك الايام اللطيفة حيث استمتع هو كثيرا بالمقال الذي كنا قد نشرناه عنه والفيلم الجميل المرفق معه. ثم طلبت مني رئيسة الجلسة بكلمة اخيرة قبل ان اودعهم حيث مضى الوقت سريعا جدا فارتجلت كلمة اشكر فيها الشعب البولندي وابناء هذه المدينة واساتذة هذه الكلية المشهورة لخدمتهم الجليلة في الموصل فلولاهم لما كنا نحن قد حصلنا على ذلك التعليم في الموصل فهم الوحيدون من جميع كليات العالم اسسوا قسما متميزا في جامعة متميزة ثم التقطت بعض الصور بهذه المناسبة النادرة فالكل اعتبرها حدثا لا يحدث الا هنا في مدينة فروسلاف البولونية ومن طلبة جامعة الموصل فقط. وقبل ان تودعني البروفيسورة  Anna Bac اهدتني نسخة من كتاب والدها المرحوم البروفيسور باج  Zbignew Bac حول فلسفة عمارة السكن بعنوان Theory of Habitat: The Contemproray Context  والذي قام والدها باعداده ومعه باحثون اخرون حيث كان من رواد هذه الفلسفة ليس فقط في بولندا ولكن ايضا في اوروبا. وهذا الكتاب قد اصدرته ايضا جامعة فروسلاف التقنية عام 2019م ولغته هي الانكليزية تسهل فهم هذه الفلسفة في الاسكان حيث كنت قد اشرت اليها في عدة مقالات سابقة عنه. واذا سمح لي الوقت بالاطلاع عليه وتقديم مختصر له سيكون ذلك امر جيد ليس فقط من الناحية العلمية فقط ولكن ايضا الاستمرار في الاحساس بقرب الافكار بين الشخصية الخارزماتية باج وبيننا نحن طلبته.  

جولة في اروقة كلية العمارة في جامعة فروسلاف برفقة الدكتورة تيريزا Romaszkiewicz-Białas Teresa
مبنى كلية العمارة في مدينة فروسلاف مبنى له شخصية وهوية وخصوصية حيث يعتبر من احد المباني المتميزة في عمارته من ضمن مباني جامعة فروسلاف التقنية. وبمبادرة جميلة من الدكتورة تيريزا والتي كانت استاذة لمادة الهندسة الوصفية والرسم المعماري ليس فقط في كلية العمارة ولكن ايضا في جميع الكليات التي كانت تُدرس فيها مادة الهندسة الوصفية وبالرغم من انها قد تقاعدت عن العمل منذ عشرة سنوات (الان عمرها 77 سنة اطال الله في عمرها) الا ان لها ولغاية اليوم علاقة جيدة مع القسم التي كانت تعمل فيه، اي ان الكلية كانت تتكون من وحدات تدريسية وكل مجموعة كانت مختصة بمادة واحدة. حيث دخلنا الى مختبرات ومراسم قسم الوصفية واطلعونا على تمارين الطلبة بعضها رسمت في عشرينات القرن الماضي اي عندما كانت مدينة فروسلاف مدينة المانية. تمارين في دراسة تحليل الاشكال والاجسام الهندسية، دراسة مقاطعها اضافة الى تمارين كثيرة في رسم المنظور وبجميع انواعه وقد رسمت بطريقة بديعة حقا. وقبل ان ندخل وحدة الرسم اليدوي الحر مررنا ايضا من بعض تمارين طلبة الصف الاول حيث تمرين تكرار الوحدات والذي يتم تدريب الطلبة عليه ولغاية اليوم اضافة الى تمرين المكعب. وفي وحدة المرسم اليدوي هناك التاكيد على ثلاثة انواع من التمارين منها: لرسم جسم الانسان وبحركات مختلفة، تمرين رسم الاشياء الساكنة (كما كنا نتدرب عليها في مرسم المرحوم الفنان راكان دبدوب) وتمارين في رسم الفضاءات ومبان المدينة. وهنا ايضا يتم اختبار قابليات الطلبة الفنية وتصورهم البصري قبل بدايتهم في دراسة العمارة. وعندما سالت الاستاذة المشرفة على هذه الوحدة عن مدى اقبال طلبة اليوم على دراسة العمارة حيث قالت: سابقا كان يتنافس عشرة من الطلبة على مقعد واحد واليوم يتنافس فقط طالبان على مقعد واحد!

جولة في حرم جامعة فروسلاف التقنية ومدينة فروسلاف برفقة الدكتورة تيريزا
من حسن حظنا هذا اليوم 16 اذار من عام 2022  بانه كان يوما مشمسا جميلا وان الانسانة الطيبة د. تيريزا قد خصصت لنا برنامجا كاملا لغاية المساء لتشرح لنا مكانة جامعة فروسلاف التقنية واجزائها العديدة حيث مررنا على جميع كليات الجامعة وتجولنا في بهو رئاسة الجامعة والى متاحف ومكتبة الجامعة واقسام الطلبة التي انتشرت على مساحة واسعة في هذه المدينة. جامعة فروسلاف هي من احدى جامعات المدينة الاربعة ولها مكانة متميزة ليست فقط في المدينة ولكن ايضا على مستوى البلد واوروبا. ورغم تقدم العمر عند الاستاذة تيريزا الا انها في قمة لياقتها فهي نشيطة جدا لا تتعب ابدا وخاصة اذا قارنا لياقتها مع استاذنا جورج والذي يبدو ان تأثير سيكاير بغداد واضح على لياقته، فانها فعلا متميزة في كل شيء. لقد مررنا مشيا وتجولنا عدة كيلومترات في ازقة واحياء المدينة القديمة اولا وهي تشرح لنا الكثير من القصص التي لا نعرف عنها الا القليل. ورغم انها تعرف مسبقا باني اكتب وابحث عن جميع الحكايات المخفية الا انها لم تبخل ابدا في الاجابة على جميع اسئلتي الفضولية. قررت في بداية جولتنا ان استمع لها وعن تجربتها الحياتية وقد بدأت فعلا بسرد قصة عائلتها والتي هي من اصول ليتوانية تم تهجيرها بين الحربين العالميتين الى مدينة ليفيف الاوكرانية والتي بدأنا هذه الايام نسمع عنها الكثير بسبب الحرب الروسية-الاوكرانية. هذه المدينة كانت في الاصل بولندية ولكن السوفيت ضموها الى الاراضي الاوكرانية واثناء الحرب العالمية الثانية لم يكن لوالدها اية جنسية لذا لم يدع للحرب حينها ولكن ورغم انه قد بنى واسس شركته واستثمر الكثير في هذه المدينة تم تهجيره مرة اخرى الى مدينة فروسلاف البولندية (الالمانية الاصل) وتم معه تهجير او ترحيل اساتذة جامعة ليفيف وهم قاموا مرة اخرى بتاسيس كلية العمارة في مدينة فروسلاف فاكمل دراسته على ايدي هؤلاء الاساتذة مرة اخرى. لكل فرد هنا في فروسلاف قصته التي تحكي كيف تغيرت اوروبا وتركيبتها السكانية بعد الحروب العالمية حيث في كل حرب يتم رسم خريطة جيوسياسية اخرى. اما فيما يخص اخوها فهو ايضا تم تهجيره الى ميونخ الالمانية من قبل السلطات الحكومية حيث كان من المعارضة ويعمل بصورة مباشرة مع حركة التضامن التي حررت بولندا من الدكتاتورية الشيوعية التي احتلت بولندا بعد ان حررتها من النازية الالمانية. اما القصة الثانية التي هزت من مشاعري هي قصة رجوع البروفيسور مالاخوفيج من سيبيريا الى بولندا مشيا على الاقدام بعد ان انتهت عقوبته التي نفذتها به السلطات السوفيتية حينها. انها قصص لا يعقلها الانسان اليوم كيف يتم معاقبة الكفاءات بهذه الطريقة الوحشية. وفي العدد  3(59)/2019 من مجلة العمارة Archtectus التي تصدرها كلية العمارة في فورسلاف هناك مقال كامل عن تكريم هذا البروفيسور الكبير الذي خلد اسمه اليوم في جداريتين: الاولى على جدار كاتدرائية فروسلاف (كنيسة البرجين) التي اعاد فيها الى فورسلاف هويتها واصبحت هذه الابراج من معالم هذه المدينة والمرة الثانية فقد نقش اسمه ومعه البروفيسور باج على جدار كبير امام مبنى رئاسة الجامعة وقد علمت من الدكتورة تيريزا بان هناك نوعان من البروفيسورية: بروفيسور لقب جامعي وبروفيسور لقب تمنحه الدولة بمرسوم جمهوري وفعلا وعندما كتبت مقال عن المرحوم البروفيسور باج فقد كانت هناك مراسيم لتسلمه هذا اللقب ومع القاب اخرى مهمة جدا في بلد عريق كبولندا. وقد مررنا من جانب تلك الكنيسة المركزية في وسط فورسلاف (وانا اسميها كنيسة البرجين) ورايت اللوحة الحجرية مع صورة تمثالية للبروفيسور مالاخوفيج (توفي عام 2015م) ودوره في اعادة فروسلاف وكما كانت عليه قبل الحرب. وفي مكان اخر مررنا من امام بناية متميزة تبين بانها احدى الكليات الدينية وامامها بناية فندق حديث في منطقة خضراء واسعة وهنا قالت الدكتورة تيريزا: هنا كانت بناية للصحة العامة كان قد صممها المرحوم د. فريديسكي ولكنها هدمت وبني في مكانها فندق حديث، فقلت لها انها الراسمالية يا تيريزا! وفي الفترة الشيوعية لم يكن هناك مكاتب معمارية فردية بل كانت لاكثر مؤسسات مكاتب معمارية وهكذا الجامعة ايضا حيث كانت التصاميم يقوم بها اساتذة الجامعة من خلال مكتبها الاستشاري.

لقد حدثتني الدكتورة تيريزا عن قصص حدثت اثناء فترة عملها في قسمنا الرائع وخاصة تلك التي رافقت سفراتها من بولندا الى الموصل عبر تركيا وكيف ان سيارتها (فيات بولكسي) تعطلت مرتين في الطريق وتفاصيل تلك الايام التي اصبحت اليوم لها ايضا من قصص الحياة. لابد ان اقول بان الدكتورة تيريزا من عائلة اكاديمية ايضا ولها احساس كبير جدا بقيمة التعاون الاجتماعي بين الشعوب والاقوام. وتعتبر وجودها في الموصل ومعايشتها الشرق تجربة انسانية ثرية لها تعتز بها وتفتخر بها ايضا. لقد كان لها ايضا تجربة عمل في احد المكاتب المعمارية الاميريكية قبل ان تاتي الى الموصل لذا كانت تتقن اللغة الانكليزية بصورة جيدة. وعندما سالتها عن كيفية اختيار الاساتذة الذين تم توفيدهم من هنا فورسلاف الى الموصل؟ وهل كان هناك من شروط لذلك؟ وخلال البحث الذي قمنا به معا في توثيق مسيرة القسم كنت قد توصلت بان مجموعة هؤلاء الاساتذة كانوا اشبه بعائلة اكاديمية متناسقة جدا فيها رموز كبيرة هنا في كلية العمارة كان لها تاثير كبير في تثبيت واستمرار الدراسة المعمارية في الموصل. حيث كان للاساتذة الكبار ومنهم: باج وسولوفي وجيرجاك وملاخوفيج وكرونه وروميك وزملائهم مركزا مرموقا يؤهلهم لاختيار من الاساتذة البولونيين الذين يتقنون اللغة الانكليزية بصورة جيدة وربما كان هذا الشرط الرئيسي لتوفيدهم الى الموصل اضافة الى خدمتهم ومسيرتهم الاكاديمية في فروسلاف حيث ان جيرجاك وسولوفي قد اصبحوا عمداء لهذه الكلية لفترات مختلفة. وهنا لابد ان اذكر بان الكثير من ابناء هؤلاء الاساتذة قد درسوا في نفس الكلية ومن الذين تحضرهم لي اسماؤهم هن: أنا بنت باج ومغدالينا بنت كرونه.
وبعدها نزلنا الى سرداب احد الابنية التاريخية في مدينة فروسلاف والذي تم الاستثمار في فضاءاته الجميلة القديمة لكي يكون من احد المطاعم المفضلة لها حيث اصرت الاستاذة تيريزا ان تدعونا الى مادبة غداء بولوني في اجواء جميلة تخللتها احاديث كثيرة عن مواضيع مشتركة اخرى. وعن علاقتها الجيدة مع طلبة جامعة الموصل وخاصة عندما كانت تحتاج بعض المنتوجات التي لم تكن متوفرة في السوق المحلية لعمل بعض المؤكولات او ربما المعجنات الخاصة في التراث البولوني حيث كان الصديق الزميل فاهرام باغدارسيان من الاسماء التي تتذكرهم بصورة جيدة وخاصة عندما كان يجهزها بالخشخاش الذي كانت تحتاجه في الاعياد لعمل المعجنات البولونية. وعن زياراتهم الى المناطق المحيطة بالموصل حيث كان للاساتذة البولونيين ايضا علاقة مع ابناء بلدهم الذين كانوا يعملون في الشركات الاخرى البولونية وخاصة في سد الموصل وسفراتهم المشتركة معهم. ولا ننس ايضا زياراتهم المستمرة الى كنيسة اللاتين في الموصل كل يوم احد من اجل ممارسة طقوسهم الدينية حيث كانت الكنيسة قد خصصت لهم قداسا يتم تلاوة الكثير من النصوص الدينية من الانجيل في اللغة البولونية اضافة الى عازف الاورغن الدكتور روميك الذي كان يعزف ايضا تلك الالحان الدينية الخاصة بالمزامير. بالنسبة لها ولهم كان زيارة الكنيسة امر مهم جدا ليس فقط لممارسة الطقوس الدينية فقط ولكن ايضا نوع من الشعور بالحرية الدينية التي كانوا قد افتقدوها في وطنهم الام. وقد اكدت لي بان اكثر الاساتذة كانوا يزورون الكنيسة حتى غير المؤمنين منهم.

ومن النقاط التي ناقشتها معها خاصة هو السبب الذي جعل هؤلاء الاساتذة يتركون بلدهم ومدينتهم وكليتهم واصدقائهم وعوائلهم عدة سنين من اجل العمل في مدينة غريبة ومجتمع اخر بعيد كل البعد عنهم سواء في الثقافة او التاريخ او التراث؟ وكنت اريد ان اصل بما كنت اعتقد بان بعض هؤلاء الاساتذة كانوا يبحثون ايضا عن متنفس لهم ينقذهم من الضغط السياسي المتمثل بحكومة الحزب الواحد والنظام الشمولي الذي كان يسمح لبعض الحريات الشخصية ولكن حرية التعبير عن الراي والمعتقد كانت الدولة قد سيطرت عليهما بصورة كلية. فعلا كانت تلك الفترة مهمة لهم للتواصل مع ثقافات اخرى ورؤية العالم بعيون اضافية والابتعاد قليلا عن اجواء الاستبداد الفكري قبل قيام حركة التضامن البولونية بتغيير النظام السياسي والقيام باصلاحات كثيرة وضعت بولندا نفسها في سلسلة الدول الحية. وقد ذكرت لي ايضا بعض نشاطات عدة اساتذة من ذلك الكادر كانوا ايضا من المؤيدين لهذه الاصلاحات ومنهم بصورة خاصة الاستاذان كرونه وارتور. ولكن ايضا من الاساتذة الكبار البارزين منهم كان هدفهم ايضا الاستثمار في ما وصله النظام الاشتراكي-الشيوعي في رسم الخارطة الانسانية للمجتمع.

فعلا كانت جولة رائعة مع السيدة الرائعة الدكتورة تيريزا حيث قدمت لنا الكثير الكثير مما ارادت ان تقدمه وسعدت كثيرا بلقائها ولان الاستاذة تيريزا قد دَرَّسّتْ كل من اختي نادرة وساهرة وطبعا جميع طلبة الدورات الرابعة والخامسة وخاصة الهندسة الوصفية ورسم المنظور ومشاركتها ايضا كاستاذة للتصميم المعماري في مراحل عديدة حيث حملت تحياتها لجميع طلبة قسم العمارة في جامعة الموصل. ومن نشاطاتها الحياتية الكثيرة هي السفر والسياحة مع زوجها وزميلها (اكاديمي معماري كان من احد طلبتها في كلية العمارة في فروسلاف) وقد تحدثنا في امكانية زيارتها ايضا الى هولندا فسيكون ذلك جميلا جدا لكي نستمر في توثيق الكثير من قصص العقد البولوني المثمر وقد وعدتها بان استضيفها وكما استضافتني بصورة رائعة وانيقة كاناقة شخصيتها المتواضعة.

الرجوع الى وارشو ومناظرة معمارية في اروقة متحف الشعوب حول التعاون الاكاديمي البولندي-العراقي واللقاء الخاص مع المعمارية د. مغدالينا كرونه Magdalena Gruna 17 اذار 2022م
مدينة فروسلاف الرائعة تحتاج عدة ايام حقا للاطلاع على جميع معالمها المعمارية والتاريخية من متاحف وكنائس ومؤسسات علمية وجامعات ومبان لها قيمة انسانية كبيرة وخاصة لنا نحن طلبة العمارة. ولكن لم يكن لي الكثير من الوقت في هذه الزيارة لقضاء ايام اخرى للاستمتاع باجوائها وجمالها وهدوئها وخصوصيتها وهويتها ولكن وهذا ما اقوم به غالبا في رحلاتي هي جمع المعلومات اولا ومن ثم القيام بزيارات اخرى اعمق من الاولى وهنا لابد ان اكتب لزملائي واصدقائي جميعا بانه يجب حقا ان نقوم بلقاء موسع لنا في هذه المدينة ليس فقط لانها المدينة التي انطلقت منها حملات الاستشراق المعماري الى قسم العمارة في جامعة الموصل ولكن لانها مدينة متميزة حقا في كل شيء ولموقعها الجغرافي واختلاف طبيعتها كثيرا عن وارشو العاصمة. ربما سيكون لاحقا بامكاننا من تحقيق ذلك اذا تحقق الامن والسلام في العالم ولكن يجب ان نقوم بذلك قبل ان تداهمنا الشيخوخة حيث اننا جميعا نتجه اليها بخطى بطيئة.
ودعنا فروسلاف الجميلة صباح يوم الخميس 17 اذار 2022م بسرعة من اجل الوصول الى وارشو قبل الساعة الثانية ظهرا للتحضير للجولة الحوارية في متحف الشعوب الذي يعرض الان فيلما من انتاج المعهد الالماني للدراسات التاريخية في وارشو عن العلاقة الاكاديمية بين بولندا والعراق. وقد استمتعنا بوجبة الفطور في احدى الكافتيريات التي اختارتها الباحثة دوروتا في احدى المراكز المعمارية الحديثة مقابل مبنى المحطة المركزية في مدينة فروسلاف والتي هي من احد معالم المدينة المعمارية المتميزة. الشمس جميلة والصباحات منعشة بنعومة حرارتها وانحباس الامطار لفترة قصيرة من اجل ان لا تفسد اجواء السفرة الهادئة. ولكن الذي حدث هذا اليوم هو التاخير العام في مسار جميع القطارات بسبب خلل تقني في النظام الرقمي الذي ينظم عملية سير القطارات ولكن القطار المتوجه الى وارشو العاصمة انطلق في موعده وكم وهو مزعج ان يظل الفرد يفكر فيما اذا سيصل في الوقت المناسب وخاصة ان المسافة بعيدة جدا بين المديتين. وكان المفروض وحسب جدول القطار ان نصل بحدود الساعة الثانية ظهرا لنقوم بالاعداد للجولة الحوارية ولكن تبين بان قطارنا سيتأخر ايضا حيث توقف كثيرا وتاخرنا كثيرا بحيث اضطررنا ان نكمل الجزء الاخير بالسيارة من اجل الوصول الى المتحف قبل موعد الجولة الحوارية وفعلا وصلنا بحدود الرابعة والنصف اي قبل الموعد بنصف ساعة فقط والتعب ستلاحظونه حتما في الصور! والذين يتابعون هذه السلسلة من المنشورات والتحقيقات الخاصة بتوثيق هذه العلاقة النادرة والمتيزة يجد بان هذه الجهود قد توجت باعلانها من خلال هذا الفيلم (البودكاست) الى الجمهور البولندي وان الكثيرين الذين لهم ارتباط سواء من قريب او بعيد اصبح لهم مصدرا رسميا مهما دعمته الكثير من المؤسسات العلمية والتاريخية الكبيرة في وارشو مثل المعهد الالماني للدراسات التاريخية ومتحف الشعوب في وارشو. اي ان للفيلم واجهتان رئيسيتان: الاولى تاريخية والثانية شعبية (من الشعوب). وتم رواية هذا الحدث من خلال هاتين الواجهتين. لقد حضر بعض الجمهور المهتم في هذه الجولة الحوارية وتم توثيقها من خلال مصور المعهد الالماني والذي كان يلتقط العديد العديد من الصور بحيث اصبحت (جقات) كاميرته تثير عندي بعض التشويش الذهني في متابعة هذه الجلسة فجميع الحضور غرباء لي عدا رئيسة الجولة الحوارية د. دوروتا حيث استقبلت متابعيها بكملة ترحيبية مطولة ثم تحدثت عن بحثها الخاص بدراسة هذه العلاقة وشعرت بان كلمتها قد طالت كثيرا رغم اني كنت الوحيد حينها خارج التغطية البولندية. بعدها طلبت من الحضور مشاهدة الجزء الاول من الفيلم وكم تمنيت ان ينتهي هذا الجزء باسرع وقت ممكن بسبب سوء نوعية الصوت الذي كان يبثه صندوق الصوت في منتصف الفضاء الذي عرض فيه!
بعدها طُلِبَ مني مرة ثانية ان اقوم بتعريف نفسي وكلمة تفصيلية لشرح هذه العلاقة الاكاديمية وخاصة من وجهتها الانسانية والانثروبولوجية وكم ساعدتني الدراسة الحالية في علم الاجتماع من اختيار المصطلحات التي يتم رسم هذه العلاقة ليس فقط بنص سطحي ولكن بتحليل علمي مبني على اسس اجتماعية مشتركة. ومن حسن حظي هذه المرة بانني كنت المتكلم الرئيسي واعطوا لي الكثير من الوقت للتعمق في وصف المنظور الشخصي لها. بعدها طُرِحَتْ بعض الاسئلة من قبل الحاضرين او ربما بعض المداخلات وكانت الواحدة منها من السيدة المعمارية د. مغدالينا كرونه Magdalena Gruna حيث طلبت مني ان اشرح لها فيما اذا كان الاساتذة البولونين قد استفادوا او اشتركوا ايضا في تصاميم بعض الاعمال في العراق او ربما قد حملوا معهم ايضا بعض الذكريات عن العمارة المحلية او فيما اذا كان لهم اهتمام بها. وفعلا فان الكثير من اساتذتي ومنهم والدها ايضا الاستاذ كرونه كان يحب التعرف على البيئة المعمارية والانسانية والتعرف عليها او ربما حتى معايشتها واطلعتها على بعض الامثلة. وهكذا كانت الكثير من الاسئلة الذكية التي تعبر عن تقييم الشعب البولندي لهذه التجربة. وهناك سؤال اخير طرح علي في شغفي واهتمامي وتقديري لهذه العلاقة وهذا الاندفاع الكبير لتوثيقها فرويت لهم قصة احصائية بارقام لا تقبل الشك: قلت لهم لست الوحيد من عائلتي من درس العمارة تحت اشراف البولنيين ولكن ايضا اثنتان من اخواتي واقصد بهم طبعا المعماريتان نادرة وساهرة: نادرة من الدورة الرابعة وساهرة من الدورة الخامسة. اي اننا حصلنا على 15 سنة اكاديمية بولونية في اكثرها. واذا حولنا هذه السنين الى ايام دراسية لتوصلنا بانها كانت بحدود ال 3000 يوما دراسيا. اي اننا فقط نحن عائلة داويذ رمو من القوش-الموصل-العراق حصلنا بحدود 15000 ساعة اكاديمية قدمتها لنا جامعة فروسلاف لنا نحن! فكيف تريدون ان لا احب هذا الشعب الذي انجب هؤلاء الرجال والنساء؟ كم هي القيمة الفعلية لهذه الجهود الكبيرة التي كنا احوج اليها في تلك الفترة؟ عندها صفق الجميع لهذا الاحترام!

بصراحة شعرت ببعض الانشراح بعد الانتهاء من هذه الجولة حيث لم يكن لي اي علم مسبق بمحتوياتها والنقاط التي سيتم طرحها اثناء هذه الجولة. وقبل بداية الجولة كان لي علم بان المعمارية د. مغدالينا كرونه قد جاءت خصيصا ايضا لتتكلم وتسمع بعض الشيء عن شخصية والدها الدكتور كرونه وحياته في العراق-الموصل فطلبت مني اذا كان بالامكان شرب القهوة في احدى الكافتيريات القريبة من المتحف للتحدث في هذا الموضوع وقد صاحبتها ابنتها التي تدرس الان ايضا التصميم الصناعي. ومن حسن الحظ فان لي الكثير من صور استاذي اثناء زيارته الى القوش واديرتها وقراها المحيطة. وكم هي الصور مهمة جدا في تمثيل وشرح تفاصيل هذا التعاون الانساني فالصور التي التقطت قبل الثورة الرقمية لا تكذب ابدا.

وقد تاسفت كثيرا لوفاة والدها المبكر عام 1996م حيث توفي وعمره 56 عاما بسبب خطأ جراحي في احدى مستشفيات بولونيا. وعندما كان الدكتور كرونه يدرس في الموصل بحدود العام 1983م كان عمر ابنته مغدالينا بحدود الرابعة عشر وكم حاول كرونه ان يقوم ايضا وكباقي الاساتذة بالسماح لعائلته ان تزور الموصل وتسكن فيها فترة مناسبة كي يتعرفوا على مجتمع بين النهرين المتعدد القوميات والاثنيات والثقافات والاطلاع على حياة المجتمع وبجميع اشكاله سواء في المدن الكبيرة او تلك في البلدات المحيطة بالموصل والغنية بتاريخ وارث قومي وديني وحضاري غني جدا بحيث جعل هوية المنطقة هوية متراكبة ومتداخلة ومتماسكة ايضا. ولكن لم تسمح له الحكومة البولندية حينها بذلك ولاسباب امنية تتعلق بمواقفه المعارضة للنظام الشمولي حيث كان هو ايضا يدعم حركة التضامن فكريا.  وقد كان لقاءً مفعما بالمشاعر المفرحة والمحزنة مع مغدالينا حيث سمعت قصصا كثيرا مني حول شخصية والدها الاستاذ المحبوب والبشوش دائما المرحوم كرونه ودوره في تدريس مادة التصميم المعماري وطريقته في ذلك وعلاقته الجيدة والطيبة مع جميع الطلبة وخاصة ان له صور كثيرة جدا وهو يتحدث اليهم من خلال صور الزملاء الاعزاء ومنهم الاخ احمد ميسر وصور الاخت غادة ايليا وعصام محمود وطبعا قصة مكوث عندنا في القوش ليلة واحدة لانه كان يريد ان يعرف كيف هي الحياة والسكن في داخل مسكن يعود تاريخ بناءه الى ثلاثينات القرن الماضي والذي يعود طرازه الى المدرسة الموصلية-العثمانية في العمارة المحلية حيث الاوسطى المعماري الذي بناه المرحوم عبود الطنبورجي هو الذي صممه وبناه لاجدادي جردو وكبو رمو. وخلال الحديث الشيق معها جعلتها تطلع عن المقال الذي كتبناه حول والدها والفيلم المرفق ايضا وفي تلك الصور التي ارسلها ايضا لنا مشكورا د. نجدت حول المعرض الذي اقامه قسمنا المعماري في نقابة المهندسين والذي تم توثيقه ايضا في احدى حلقات ارشيف العمارة.

واثناء اطلاعها على الصور ومشاهدة كم كان والدها سعيد جدا معا في الموصل ذرفت اعينها بعض من الدموع لتلك الذكريات حيث كان والدها يرسل لهم رسائل عديدة ويوصف جميع رحلاته في المنطقة وتذكرت ايضا من خلال الصور التي تركها هو ايضا بعض المشاريع التي كان يشرف عليها في الموصل. ولكن القصة المدهشة التي سمعتها من عندها هي قصة اخفاء المرحوم الاستاذ د. كرونه معتقده الديني حيث قالت لي: هل تعرف لماذا سافر والدي اليكم الى بلاد النهرين حينها؟
 فاجبتها اجابة روتينية تقليدية بانه كان يحب الاطلاع على ثقافات جديدة في الشرق وحبه للتجديد والمغامرة والابتعاد عن الحكم الشمولي في بولندا! فاجابت نعم كل هذا صحيح ولكن والدي جاء عندكم ليكتشف نفسه مرة اخرى؟ لقد حدثتني عن اصوله اليهودية وكم كان ذلك خطرا في بولندا للاعلان عنها او حتى السفر الى فلسطين واسرائيل كان ممنوعا عليه لذا لجأ الى هذه الطريقة حيث كان يعرف بان بلادكم هي بلاد التاريخ وبلاد الحضارات وبلاد الاديان جميعها. وحينها تيقنت شغف المرحوم كرونه في زيارته للاديرة عندنا واسئلته الكثيرة عن التراكمات الاثنية والدينية في المنطقة باكملها وكيف ان بلدتي القوش نفسها تحتضن اليوم ليس فقط الارث المسيحي العريق ولكن ايضا فان معبد او مزار او ضريح اصغر واخر انبياء اليهود موجود فيها. وحدثتني عن اللغة التي كان يتعامل معنا؟ فقلت الانكليزية حيث استغربت قليلا لان لغته الثانية بعد البولونية هي الالمانية!
وهكذا رجعت الى الفندق متعبا جدا من تاخر القطار وحرارة الجو ولكن تيقنت كيف ان هذه الزيارة واللقاءات مهمة جدا للكثير من ابناء الاساتذة وان الشعوب تلتقي دوما من دون الفروقات والاختلافات الدينية او القومية وقصة استشراق هؤلاء الاساتذة لم يكن هدفها فقط تعليمنا العمارة ولكن ايضا كانت بالنسبة لهم الاطلاع على شعوب اخرى وثقافات اخرى. مدينة الموصل وبانفتاح شعبها وتنوعها الثقافي حينها كانت البودقة الذهبية لاحتضان جميع الشخصيات التي هدفها الخدمة الانسانية ليس فقط لابناء الموصل ولكن لجميع ابناء المنطقة والوطن. ان قصة الاساتذة البولونيين وبقائهم لعقد كامل يستمتعون بحرياتهم الشخصية والدينية والفكرية دلالة واضحة على انفتاحية الموصل وحبها ايضا للتفوق وتنافس العاصمة بغداد في العمارة ايضا.

عمارة وارشو بين المنهجين الاشتراكي الشمولي والراسمالي الليبرالي 18 اذار 2022م
اليوم الثالث من رحلتي الى بولندا خصصته لجولة نهارية في يوم مشمس جميل من اجل التعرف على هوية وارشو المعمارية من خلال رصدها من الارض ومن الجو. ومن اجل ذلك خصصت النهار فقط لي وللمدينة وللعمارة. ومن احد المعالم الرئيسية المعمارية والتاريخية والسياسية في وارشو هو قصر الثقافة الذي بناه السوفيت ايام ستالين هدية للشعب البولندي. سابقا كان يسمى ايضا بقصر ستالين. ومن عمارته الشمولية المتناظرة النصبية الصلدة والشامخة في هيأتها فهي زقورة ايدولوجية ومعمارية في نفس الوقت. العمارة هنا تمثل الهوية الشمولية والنظام الهرمي السياسي لتلك الفترة. هذا القصر مخصص الان لجميع النشاطات الثقافية التي تقام هنا في وارشو ففيه قاعات عديدة ومسارح كثيرة وصالات عديدة وكل ما تم تجسيده في هويته الخارجية تجده المريء ايضا في فضاءاته الداخلية وخاصة بهو الاستقبال فيه الذي يعكس حقا اجواء المتاحف والقصور معا. ومن اجل الاحساس بهذه الاجواء وقبل الصعود الى اعلى البرج وانتظار افتتاحه للزوار كان شرب القهوة من احدى شرفات هذا البهو الواسع وسيلة للتعرف على جميع تفاصيل تلك العمارة والتي كانت في اغلبها تعتمد على مادة الحجر القوية الصلدة. حينها تذكرت ايضا الحجر الموصلي الذي كنا نحن ايضا نستخدمه في جميع اعمالنا المعمارية في تسعينات القرن الماضي.
ومن شرفة الطابق 30 بامكان المرء من رؤية وارشو والاستمتاع ببنوراما مدهشة واسعة لجميع جوانب وجهات هذه المدينة المهمة في اوروبا الشرقية. السماء زرقاء والاجواء صافية جدا والريح ناعمة وهناك القليل من الزوار في هذه الفترة الصباحية مما يزيد من جمالية المكان. هذا البرج هو اعلى برج في وارشو لغاية اليوم وقد اكتمل بناؤه عام 1955م.
ومن اجل توثيق العمارة بعد 1991م اي بعد سقوط جدار برلين وانتهاء الفترة الشيوعية بعد ان نجحت حركة التضامن حينها في استلام السلطة بعد انتخابات حرة مستقلة. وفي هذا الانتقال لم يتم هدم الدولة والمؤسسات كما حدث ومع الاسف في بلدي عام 2003م ولكن استمرت الدولة بمؤسساتها تخدم المواطن في اجواء سياسية وفكرية واقتصادية جديدة. هنا تحول النظام الاقتصادي من الاشتراكي الى الراسمالي-الليبرالي وتحولت معه العمارة ايضا الى الانفتاح الغربي وبسبب تطورت تقنية البناء تحولت الابراج الحجرية المتناظرة الزقورية الشكل الى ابراج حرة ذات عمارة منفتحة تحررت من الحجر واصبح الزجاج المادة الرئيسية في هيأتها الخارجية. وليس هذا فقط فان دخول بولندا الاتحاد الاوروبي جعلها تقوم بتحديث بنيتها التحتية والمعمارية فانبثقت ابراج زرقاء كثيرة في المركز الحديث لوارشو ترسم مع ابراج قصر الثقافة الحجرية هوية المدينة اليوم. ويبدو واضحا وسهلا من خلال هذه الشرفة العالية متابعة تاريخ وتطور وارشو واحيائها المختلفة.
ومن اجل رسم هذا الارتباط والتداخل بين العمارة الشمولية والعمارة الليبرالية الجديدة قمت باعادة تصوير هذه المباني من نقاط مختلفة في المنطقة الخضراء الواسعة امام هذا القصر. في هذه الايام وبسبب الازمة الحديثة وايواء بولندا اكثر من 2000000 لاجيء اوكراني تجد الاعلام الاوكرانية الى جانب اعلام بولندا والاتحاد الاوروبي التي تمثل الان الاتجاه السياسي للشعب البولوني. في حين ان مبنى قصر الثقافة شيد من اجل نشر الايدولوجية الاشتراكية-الشيوعية تجده اليوم يرفع الاعلام التي تنشر الايدولوجية الراسمالية-الليبرالية وهكذا بامكان العمارة نفسها ان تكون وعاء ثقافي لنشر جميع الاتجاهات السياسية. ان الحفاظ على قصر الثقافة واستمرار وظيفته لغاية اليوم ورغم تغيير النظام السياسي للدولة هو وثيقة حضارية لسمو ثقافة الشعب البولوني.

بين وارشو القديمة وموصل القديمة 19 اذار 2022م
في كل رحلة وجولة في اي مدينة كانت ابحث في البداية دائما عن قلبها التاريخي. هذا القلب او المركز يحتضن غالبا ويعبر باستمرار عن هوية المدينة. وغالبا ما يقع هذا المركز الجميل على ضفة النهر الذي يقطع المدينة ويكون على اعلى نقطة في طبيعة المدينة. المدن في البداية وكما كتبت عنها الكثير كانت صغيرة ومسورة بجدران قوية وحولها المياه لكي يكون بامكانها من حماية نفسها من الاعداء في قديم الزمان وقبل اختراع الاسلحة الحديثة والتي تعبر الاسوار اليوم.  ما حدث لوارشو ومدن اوروبية اخرى انها دائما عانت من الاحتلال والدمار الانساني والثقافي والعمراني. عندما خرج النازيون من وارشو دمروا ايضا الكثير من معالمها وهكذا ايضا الحلفاء من اجل اخراج الاعداء. وهذا التاريخ الذي كان قبل 70 سنة من اهم احداث الانسانية، واقصد به الحرب العالمية الثانية، نجد ان هذا الامر قد تكرر في مدينتنا الحبيبة الموصل قبل عدة سنوات فدمر المدينة القديمة في الموصل بشكل تام ولم تسلم منه حتى دور العبادة. لقد اعاد السوفيت اعادة اعمار وارشو القديمة بعد ان حصلوا على جميع وثائقها ومخططات المباني والدور السكنية بحيث اصبحت اليوم هذه المنطقة في وارشو من المناطق المحمية في العالم ضمن محددات اليونسكو.
ومن اجل زيارة هذا الجزء من المدينة خصصت الباحثة د. دوروتا ومعها شبلها الصغير ستاش نهارا كاملا للاطلاع على الكثير من معالم هذه المدينة والتجول فيها والمشي على ضفة نهر الفيسو (Vistula) والذي يتميز من جميع انهار اوروبا بان ضفتيه لم يتم التلاعب فيها من قبل اصحاب الكافتيرات والمنشأت السياحية والاقتصادية والتي يكون هدفها دوما استغلال الطبيعة من اجل جني الارباح المالية.
لقد تعلم الطفل (9 سنوات) ستاش العربية من امه. انه يتقن الكثير من صيغ المحادثة ويستطيع ان يعبر عن الكثير من انطباعاته عن سفرته الاخير مع امه الى الموصل وشمال الوطن. ليس فقط العربية ولكن ايضا بعض كلمات الترحيب باللغة التركية واخرى بالكردية. وكان يترجم اي مصطلح قد حفظه الى الانكليزية والبولندية وانا اضفت اليها الارامية والهولندية. وعندما زرته في البيت ليلة الامس استقبلني بقطعة موسيقية للموسيقار البولندي شوبان عزفها على البيانو خصيصا لي. اضافة الى اعتزازه بجميع الاعمال الفنية اليدوية التي قام بها. ثم جلب كراس الخط العربي وبدأ يقرأ لي عدة جمل منه. واثناء تجوالنا في المدينة القديمة بدأ يغني احدى اغاني عبدالحليم حافظ (اهواك واتمنى ان انساك) التي كنت قد نسيتها حقا. والان ادركت سبب اهتمامه باللغات والموسيقى واللحن حيث كان قد طلب مني بعض الكاسيتات للموسيقى العربية فجلبت منا ما كان متوفرا عندي. هكذا وجدت ان لهذا الشاب الصغير اهتمام كبير بالحرف والصوت بصورة مدهشة. مررنا بالكثير من الازقة الضيقة واطلعنا عن العمارة المحلية القديمة والتي تمثل تلك قبل بداية القرن العشرين. هناك الكثير من القصور الملكية والقلاع والكنائس التي تشير الى عمق تاريخ هذه المدينة. وهناك الكثير من اثار السور والبوابات التي كانت تؤدي الى مركز هذه المدينة حيث يشعر الفرد اكثر بجمالية المكان وهدوئه وودوده ورقته من خلال مقياس الابنية حينها ومقارنتها مع الابنية الحديثة الكبيرة والتي غالبا ما تكون ابنية غير صديقة. ربما الصور تعبر اكثر صداقة من الكلمات ولكنها ليست المكان نفسه!
وليس بامكان الزائر من تصور المدينة وتاريخها وتراثها من دون تذوق احدى اكلاتها المشهورة فيها. يبدو ان كل شعب قام باعداد الاكل الذي يفضله من خلال الاستفادة من المواد الغذائية المحيطة به. ولا توجد اكلة بولندية لا تدخل البطاطا فيها. لقد ذكرت الباحثة دوروتا والدكتورة تيريزا بعض اسماء هذه الاكلات ولكن نسيت اسمائها بسرعة.

خاتمة
وصلت الان الى اجمل الفقرات في المقال. احب الخاتمة كثيرا لانها بداية النهاية وثانيا لانه بامكاني التحرر قليلا من محتوى المقال وفقراته المتشعبة واكتب بحرية تامة. الخاتمة تجعلني ان انظر لكل كلمة كتبتها بمنظار بعيد. بعد ان ينتهي النص يشعر هو نفسه بالحرية من قساوة قلمي. وكل نص يتحرر من سطوتي يصبح خارج سيطرتي ويبتعد عني وانا عنه. انه يحصل على استقلاليته المعنوية واللغوية معا. ليس النص نفسه يتحرر من اعباء الكلمات والمعاني ولكن انا ايضا. لايام كثيرة يسيطر النص عليَّ لغاية فقرة الخاتمة حيث احس باني انتهيت من مبارزة معه ليست لغوية فقط ولكن فكرية ايضا. في البداية اشرت الى نص قراته في الطائرة التي اقلتني الى بولندا وكيف اصبحت تلك الفقرة تحفزني للكتابة اكثر واكثر. وكما قلت مرة لاحد اصدقائي باني اكتب ليس من اجل النص نفسه ولكن من اجل نفسي انا. هذه اللحظات التي اشعر بها بسعادة كبيرة وحرية لامتناهية بعد ان اكمل الموضوع. ربما البعض منا يشعر بسعادة عندما يرسم او يغني او يركض او يمشي او يتعبد او يتحدث مع الاخرين اما انا فاجمع جميع انواع السعادات المتوفرة لي في النص نفسه واثناء الكتابة. الكتابة تجعلني افكر واتعب وافرح واشعر بنشوة روحية داخلية. اليوم سيكون بامكاني من الاستمتاع بجمالية وبساطة الحياة وكما هي عليه. كل يوم احاول ان اكتب قصة واحدة. كل قصة تكتب هي ايضا جزء صغير من حكايتي. ليست قصتي فقط ولكنها ايضا قصة العشرات من زملائي واصدقائي. هذا ما اقوم به غالبا، انقاذ القصص من الموتين الصغير منه والكبير.
لقد وصلنا الان وبعد الحج المعماري الى مدينة فروسلاف البولونية موطن العائلة المعمارية البولونية التي انطلق منها اساتذتنا الكرام. قبل هذا التاريخ كنا نكتب ونوثق مسيرة القسم المعماري في الموصل من المنظور الموصلي العراقي. اليوم بامكاننا ان نكتب ونتواصل مرة اخرى من المنظور البولوني. انها علاقة شعبين ارتبطا بمسيرة معمارية واحدة. نحن ابناء ذلك العقد المتميز تم بناء فكرنا التصوري والمعماري من قبل هؤلاء الاساتذة. لقد حصلنا على الاف الساعات من الارشادات والاشرافات والمناقشات والطروحات والانتقادات والتقيمات التي كانت في جوهرها نابعة من الفلسفة والمدرسة الفروسلافية في العمارة. ليس بامكاننا، نحن طلبة ذلك الجيل، ان نتحرر من ذلك المنهج، لقد صنع ووضع فينا اسس التفكير والتصور والتحليل والتصميم. والان اصبحنا جميعا جيل له شخصيته وهويته وخصوصيته الفكرية-المعمارية التي ارتوت كثيرا من منبع ما زال ينضب ويروي ويسقي ساحة العمارة العالمية. انها جامعة فروسلاف التقنية احدى اهم الجامعات التقنية في بولندا والغرب. اليوم بامكاننا اعادة الخطوط الفكرية-الاكاديمية بين الجامعتين. هناك الكثير من النشاطات والفعاليات الاكاديمية التي بامكانها ان تحدث مرة اخرى. اليوم وضعنا او خطوة عراقية-موصلية في كلية العمارة في جامعة فروسلاف. كنت اتمنى لو كان بامكاني مصاحبة الاخرين معي في هذه الخطوة التي جاءت مباشرة بعد نشر الفيلم الذي يحكي قصة التعاون النادر بين بلدينا. والفيلم قد جاء بعد خطوات عديدة قامت بها الباحثة القديرة د. دوروتا فلها يعود كل الفضل في اعادة رسم خطوط تلك العلاقة التي مازالت تبحث فيها. لقد ساهم في ذلك الفيلم ثلاثة من زملائي الذين يعملون ولغاية اليوم في نفس القسم الذي تخرجنا منه. لولا مساهمة الاستاذ مقدام امين والاستاذ احمد عبد الوهاب الفخري والدكتور احمد العمري لما كان بامكاننا من وضع حدود ذلك التعاون. اليوم اصبح بامكاننا من النظر الى خطوات اخرى مستقبلية في اتجاهين: الاول التعاون الاكاديمي بين الاساتذة في كلا البلدين واقامة الورشات والمؤتمرات والمشاركة في كتابة البحوث بين الاساتذة وهذا سيكون من نصيب الدكتورة دوروتا حيث ستقوم بدور مباشر في تحقيق هذا الامر والذي يبدو هدفا كبيرا لها وربما احد نتائج بحثها ايضا. اما الاتجاه الثاني والذي سيكون من اهتماماتي المستقبلية هو اقامة معرض لمشاريعنا التي صممت اثناء عمل الاساتذة البولونيين في الموصل. هذا المعرض تحدثنا عنه في اللقاء مع معاونة العميد للعلاقات الدولية وسيكون ايضا مناسبة لنا نحن طلبة الجيل الاول ان نلتقي ايضا في فروسلاف نفسها ليس فقط للمشاركة الفعلية فيه ولكن ايضا للاستمرار في توثيق مسيرة ذلك العقد والبحث عن نشاطات وفعاليات اخرى على شكل مؤتمرات دورية لكي نلتقي ونتبادل الذكريات. اي سيكون لنا نحن طلبة ذلك العقد رؤية مستقبلية لنا لكي نجد انفسنا فينا وفي زملائنا.

سيكون لنا الكثير الكثير لنتحدث فيه في المستقبل وان نبحث عن طرق وادوات واساليب تجمعنا وتوحدنا مرة اخرى.

اعزائي زملاء الدراسة المعمارية تحت المظلة البولونية

يسعدني ان اقول لكم جميعا باننا ايضا اصبحنا عائلة واحدة واكثر زملائنا اصبحوا اصدقاء لنا ايضا. نحن اصدقاء في العمارة والحياة. يسعدني ان اقول لكم بان العائلة المعمارية البولونية ايضا سعدت وفرحت كثيرا بهذه الزيارة. لم اكن وحدي طبعا، بل انتم كنتم معي ايضا. لم اتكلم باسمي ابدا بل باسمنا جميعا. كان الاستعداد لهذه الزيارة والقيام بها هو جزء من مشروع العلاقات التي كانت الباحثة البولونية د. دوروتا تقوم به من اجل رسم هذه العلاقة بين دول الكتلة الشرقية ودول الشرق الاوسط وشمال افريقيا. وكان من حسن حظنا ان يكون موضوعها قسم العمارة في جامعة الموصل وبارشاد من زميلنا الدكتور علي الجميل عميد كلية الهندسة في جامعة نوروز/دهوك.

 
سيكون من دواعي سروري ان تشاركونا ايضا في كل ما يتيسر منكم اراء وتعقيبات وقصص وحكايات لها علاقة بمسيرتكم الدراسية او حتى ما بعدها والتي ستضيف لهذا المقال اوجه اخرى سيكون لها صدى عند ابناء العائلة المعمارية البولونية. سوف لن يكون هذا اللقاء الاخير بل سيعقبه لقاءات دورية اخرى ليس هدفها فقط زيارة كلية العمارة في مدينة فروسلاف ولكن القيام بجولات مكوكية في هذه المنطقة القريبة من المانيا والتشيك ودول اوروبا الغربية او حتى في اماكن ودول اخرى.

في الاخير كلمة شكر خاصة الى الجهود الكبيرة التي قامت بها الدكتورة دوروتا في تحقيق هذه اللقاءات وايضا كلمة شكر الى جميع من شارك فيها من الزملاء والاساتذة.

تحياتي لكم جميعا اعزائي الزملاء والزميلات الاصدقاء والصديقات. لقد وعدت العائلة البولونية في فورسلاف بان ارسل لهم هذا التقرير المختصر عن زيارتي لهم مع الصور ايضا ونقلت لهم بان الكثير من طلبة هذا العقد سيكتبوا ايضا اذا سمح لهم الوقت وكانت لهم الرغبة في التعبير عن تقييمهم الدراسة تحت اشراف ذلك الكادر ومدى تاثير ذلك على حياتهم المهنية والشخصية في كادر التعاون الاكاديمي بين بلدنا العراق وجمهورية بولندا. وسيكون من دواع سروري ايضا السماع منكم اقتراحاتكم في ادامة هذا التعاون اليوم واستمرارنا نحن ايضا في ايجاد الطرق المناسبة لدعم هذا التعاون.

ساتوقف الان لاني اعرف بان الفيسبوك لا يسمح بتجاوز الحد الاعلى من الكتابة والتقي بكم في مقالات اخرى بعد 4 اسابيع. ساحاول قدر الامكان ان اضع تحت الصور المكان واسماء الشخصيات ان وجدت.

اتمنى ان يعود السلام مرة اخرى الى العالم ويعود العسكر الى معسكراتهم ويعود المدنيون الى بيوتهم ويتصافح السياسيون مرة اخرى من اجل السلام.

روابط:
فيلم وبعد 40 عاما من الزمن!
https://youtu.be/RyNSRJ55Dzw

فيلم الجولة الحوارية حول فيلم الفضاءات المشتركة في متحف الشعوب وارشو
https://youtu.be/XILWT672pPQ

نُشِرت في مقالات, ارشيف قسم العمارة في جامعة الموصل, اساتذة العمارة | الوسوم: , , | أضف تعليق

حوار مفتوح حول مشروع التخرج للمعماري عصام محمود سعيد لعام 1985

كيف كان الطالب المعماري يفكر في الثمانينات؟
هذا السؤال الذي كان يروادني دوما وخاصة ان العمارة تُرسم وتُخطط وتُصمم عبر الخطوط والاشكال والالوان. ولكن ما يهدف اليه المعماري في اي مشروع يشارك في تصميمه هو الوصول الى الفضاءات المثالية للمشروع وتحقيق برنامج المشروع. الفضاء المعماري نفسه يتكون من تشكيلة من الخطوط والمساحات والحجوم. ولكن هذه العناصر الاساسية في التصميم ترتبط ايضا بوظيفة وهدف المشروع. ومن اجل الوصول الى فهم وادراك كيف كان الطالب المعماري يفكر في مسيرة المشروع وجدت بان الحوار هو افضل وسيلة مباشرة للغوص في المخيلة المعمارية. ولكن المشكلة الاخرى كانت: وكيف تحاور مخيلة المعماري؟
 ومن اجل الوصول الى حوار معماري بناء حول عمارة الثمانينات، والتي افتقدها كثيرا، تطلب ذلك وجود مشروع معماري متكامل من نقطة البداية ولغاية التقديم النهائي له. انه مشروع التخرج لطالب العمارة حينها عصام محمود سعيد وهو احد طلبة قسم العمارة/جامعة الموصل للدورة الثالثة (1980-1985) ومشروعه كان بعنوان: مجمع للاسواق والمكاتب في مركز مدينة الموصل.

في هذا الحوار:

عمارة الثمانينات
حوار مفتوح حول مشروع التخرج للمعماري عصام محمود سعيد لعام 1985
عماد رمو Emad Rammo/ هولندا شباط 2022

مقدمة
المحور الاول: ما قبل مرحلة التخرج
المحور الثاني: مرحلة التهيؤ الاولى لاختيار مشروع التخرج
المحور الثالث: الدراسة الاولى للمشروع
المحور الرابع: التصاميم الاولى للمشروع وفكرته التخطيطية النهائية
المحور الخامس: التصاميم المعمارية للمشروع وفكرته الوظيفية
المحور السادس: التصاميم المعمارية للمشروع وفكرته الانشائية
المحور السابع: التصاميم المعمارية للمشروع وفكرته الجمالية-البصرية-المعمارية
الخاتمة
رابط اليوتوب:
https://www.youtube.com/watch?v=zh5PNXaQFvk


مقدمة:
عندما اخبرني المعماري عصام محمود سعيد بانه قد تم العثور على جميع صور مشاريع التخرج له سواء من جامعة الموصل/قسم العمارة  لنيل شهادة البكالوريوس او اخرى من جامعة بغداد للحصول على الماجستير، فرحت جدا بهذا الخبر حقا وطلبت منه ان يرسل الصور لنا ايضا نحن زملائه واصدقائه لكي نستمتع برؤيتها بعد كل هذا الاختفاء القسري لها. لم يبخل علينا عصام بذلك ابدا وارسل باقة ثمينة كاملة من صور مشروع تخرجه الكبير والذي صممه في المرحلة الخامسة لدراسته العمارة 1984-1985م حيث كان مشروعه بعنوان: “مجمع اسواق ومكاتب في مركز مدينة الموصل.” وعندما اطلعت بصورة دقيقة على تفاصيل هذا المشروع بادرتني الكثير من الاسئلة الفكرية والمعمارية حوله لكي يتم التعرف عليه بعمق ومن قرب وخاصة ان المشروع يحتوي على تفاصيل  معمارية-هندسية دقيقة كثيرة وله سمة معمارية متميزة وحلول وظيفية ولوجستيكية في مركز اقدم مدن العراق الموصل.
طلبت من عصام ان نتحاور كتابيا عن هذا المشروع ونوثق جميع احداثه بمهنية معمارية وفكرية جيدة. مثل هذه المشاريع المعمارية الكبيرة والتي يضع الطالب والاستاذ المشرف مئات من الساعات لدراسته وتحقيقه تحتاج الى توثيق مهني جيد. الثقل الكبير في تصميم المشروع يقع على مسؤولية الطالب المعماري نفسه ودور الاستاذ المشرف كبير جدا في نجاح المشروع ورفع مستواه. لقد وجدتها فرصة مؤاتية جيدة لاعادة الحوار المعماري حول مسيرة العقد الاول لقسم العمارة لجامعة الموصل ودور الاساتذة البولونيين حقا في تأسيسه اولا ومن ثم ادارته وتهيئة الكادر الاكاديمي له.

 
ان يكون المشروع الفكري المعماري نفسه وسيلة للحوار ربما هي بالنسبة لنا طلبة هذا القسم فرصة للتعرف على تفاصيل حياة الطلبة الدراسية انذاك في ثمانينات القرن الماضي وعلاقتهم مع العمارة الثمانينية فكريا ومع اساتذتهم كزملاء المستقبل لهم. العمارة هي من العلوم الفكرية-الفنية-الهندسية-التطبيقية يجب على الطالب ان يتعرف على جميع واجهات هذا العلم من خلال مسيرته الطويلة مع التصميم والرسم والتصوير والاعداد الفكري لتحليل المشاريع وتطبيق النظريات الفنية المعمارية في تحقيق تلك المشاريع.


التصميم المعماري نفسه لا يُدرسُ كباقي المواد الدراسية الهندسية الاخرى، بل يعتمد على الوسائل المعرفية والفكرية واتقانه لحرفيات الرسم المعماري من اجل رسم افكاره المعمارية. اي ان التصور الفضائي الذي يتطور في مخيلة المصمم ينتقل من خلال يده الى ورقة الرسم البيضاء الكبيرة غالبا.
تصوروا الرهبة والخوف عندما يضع الطالب المعماري ورقة الرسم الهندسي البيضاء (الشيت) ويلصقها على منضدة الرسم، ويبدأ بالنظر اليها من اجل ان يبدأ برسم مشروع التخرج! الوقت والجهد النفسي والاستعداد لاتخاذ القرارات الكبيرة في جميع مراحل التصميم هي من اهم ما يجب ان يمتلكه طالب العمارة وخاصة الثقة بالنفس. في تلك المرحلة واثناء التقديم النهائي كنا نتحدث ونتواصل مع المشروع اثناء رسمه الذي كان يستغرق اسابيع كثيرة. هكذا ايضا كان على طالب العمارة ان يكون “مخرجا معماريا” جيدا لكل ما توصل اليه اثناء حواره المستمر مع مشروعه كموضوع فكري فلسفي وهندسي في نفس الوقت. ليس الحوار مع المشروع وحده، ولكن مع الاستاذ المشرف ومع زملائه الطلبة.

من اجل كل هذا اقدم لكم جميعا الحوار المفتوح الذي اجريته مع المعماري المتميز عصام محمود سعيد (كندا) قبل عدة اسابيع حول مشروع تخرجه من دراسة العمارة في جامعة الموصل للحصول على شهادة البكالوريوس في هندسة العمارة وممارسة مهنة التصميم. لقد قسمت الحوار المفتوح الى سبعة محاور ربما تشكل في مجملها مسيرة المشروع نفسه ويسهل علينا مواكبته وفهمه وادراكه وتقييمه. في كل محور العشرات من الاسئلة التي تشكل نفسها وحدة صغيرة في سلسلة هذه المحاور المتعاقبة. لقد منح لنا زميلنا المعماري عصام محمود سعيد الكثير مما كانت ذاكرته تختزن من احداث وذكريات عن هذا المشروع.


من اجل مواكبة الحوار المعماري وحتى لغير المختصين في العمارة والفن ارفق صور المشروع من خلال اليوتوب بالتسلسل ايضا وكما يقدمها الطالب المعماري نفسه اثناء التقديم النهائي لمشروعه.
في البداية هناك العديد من مخططات الموقع وبمقاييس كبيرة (1:1000) توضح علاقة المشروع مع البيئة المحيطة به، من الطرق والاحياء والمباني.
بعدها تاتي المخططات الافقية: مخطط الطابق الارضي مقياس (1:500)، مخطط الطابق الوسطي مقياس (1:500)، مخطط الطابق الاول مقياس (1:500)، مخطط الطابق الثاني مقياس (1:500)، مخطط السرداب مقياس (1:500)، جزء من مخطط الطابق الثاني مقياس (1:200)، مقاطع هندسية عديدة بمقياس (1:200).
ثم مخططات الواجهات ومنها: الواجهة الجنوبية-الغربية والشمالية-الغربية مقياس (1:500)، الواجهة الجنوبية-الشرقية مع احد المقاطع مقياس (1:500)، مقطع مقياس (1:500) وبانوراما لمدينة الموصل مع التصميم الجديد مقياس (1:2000)، واجهة مقياس (1:200)، مقطع مقياس (1:200)، تفاصيل معمارية-انشائية بمقاييس (1:50، 1:10، 1:5).
بعدها المناظير المعمارية ومنها: منظور معماري خارجي، منظور معماري داخلي (1)، منظور معماري داخلي (2).
 ثم اخيرا صور الموديل  بلقطات من جهات مختلفة ومن مسافات مختلفة ايضا لتوضيح الفكرة. في بعض المحاور يشير عصام الى بعض المخططات ومن يمعن النظر في مخططات المشروع يجد في اعلى يمين كل مخطط رقم المخطط ايضا. وفي الفيلم قمت باختيار موسيقى هادئة للمسيقار البولندي شوبان من اجل زيادة التركيز على العمارة والتصميم. في نهاية الفيلم هناك بعض الصور للمعماري عصام محمود سعيد مع اساتذته واخرى مع اصدقائه ترسم بعض ملامح تلك الفترة المهمة من حياة اي طالب.
لقد اثرت جمع جميع صور المشروع في فليم واحد لكي لا تتبعثر هذه الصور في شبكة الانترنيت لاحقا وللحفاظ على قيمتها المعمارية-الفكرية.

والان ادعوكم الى قراءة مفيدة للحوار -رغم طوله- ومشاهدة ممتعة للمشروع.


المحور الاول: ما قبل مرحلة التخرج

السنة الخامسة والاخيرة لطالب العمارة هي من احلى السنين واكثرها كفاءة حيث يصبح مشروع التخرج هو خاتمة وتاج جميع المشاريع التي صممها اثناء سنوات دراسته الطويلة. السنتان الاولى والثانية هي بمثابة الاسس القوية اما الثالثة والرابعة فهما الهيكل المعرفي التصميمي والمعماري الذي يختزنه الطالب في ذاكرته والخامسة هي من اجل وضع كل ما تعلمه ودرسه في السنوات الاربعة الاولى في خدمة المشروع النهائي.
هل بامكانك ان تحدثنا قليلا عن تجربتك الشخصية مع هذه المراحل ورؤيتك المعمارية لها وكيف صقلت معرفتك الهندسية المعمارية من اجل انجاز تصميم مشروع كبير مثل مشروع التخرج؟ هل تتذكر بعض من تلك المشاريع وعناوينها والاساتذة المشرفون عليها وما هو تاثيرها الواضح والمباشر على مسيرة مشروع التخرج؟

عصام:
منذ الخطوات الاولى في دراسة العمارة كان الهدف المرسوم في مخيلة جميع الطلبة وانا منهم هو تحديد خارطة طريق تسير بنا خلال سنوات الدراسة الخمسة والوصول الى مشروع التخرج. وقد كان للتمارين التصميمية التي عشناها مع د. فريدسكي في السنة الاولى اكبر الاثر في رسم هذا الطريق. فقد وجدنا في الاشكال الهندسية المنتظمة والمكررة بطرق جميلة والمنسجمة احيانا والمختلفة في احيان اخرى اساسا يمكن البناء عليه لتكوين افكار لكتل تصميمية وانشائية ذات قابلية ان تتطور من افكار معمارية وتتحول تدريجيا الى مشاريع قابلة للتنفيذ.كما تعرفنا على العناصرالمعمارية كافة من اعمدة واقواس وتراكيب مع انواعها وتمكنا من تحليل عناصرها وفهمها في دروس Construction Materials بينما حصلنا على فهم كامل لتقاطعات الاشكال الهندسية في دروس الهندسة الوصفية Descriptive Geometry في السنوات الثلاث الاولى. وقد بدانا بتعلم تصميم وتشكيل الفضاءات المعمارية مع بعضها البعض لتكوين ابنية مختلفة كغرفة نوم الطالب مع اثاثها في مشاريع السنة الاولى مع د. فريدسكي ثم اضفنا لها بقية فضاءات البيت مثل المطبخ والحمام والصالة بخطوات متسلسلة ومدروسة لتنتهي بتشكيل اول بناء متكامل وهو البيت. تلتها في السنة الثانية مشروع تصميم بيت الفلاح وابنية اخرى صغيرة. خلال السنوات اللاحقة وجدنا انفسنا امام مشاريع اكبر لها فضاءات اوسع وتخصصات اشمل مثل المدارس والفنادق والمحاكم ومراكز التسوق والمجمعات السكنية العمودية. وقد وجدت نفسي اميل نحو المجمعات التجارية ومراكز التسوق. وفعلا فقد تعلمت الكثير من د. باج اثناء اشرافه على مشروع مجمع تجاري يخدم احد الاحياء السكنية في الموصل والذي انجزته في السنة الدراسية الثالثة. والذي شكل عندي نقطة تحول نحو الاهتمام بابنية المراكز التجارية والتسويقية بمختلف احجامها وانواعها. اما في النصف الثاني من السنة الرابعة فقد وقع اختياري على تصميم مشروع مركز تجاري تسويقي متعدد الطوابق في الموصل وبحجم ومساحة كلية اكبر مع مواقف سيارات واسعة تحت الارض وطوابق خاصة للخزن والشحن والتفريغ. وكان هذا المشروع تحت اشراف الاستاذ القادم حديثا من بولونيا البروفيسور جوزيف كيرجاك. والذي تعلمت منه الكثير واستمتعت جدا بالعمل تحت اشرافه. لذلك فقد وجدت ان من الطبيعي ان استمر على نفس النهج في تحديد مشروع التخرج في السنة التالية وهي الخامسة والاخيرة.   

المحور الثاني: مرحلة التهيؤ الاولى لاختيار مشروع التخرج
الاسابيع الاولى من السنة الاخيرة لطالب العمارة تحدد عنوان المشروع الذي سيعمل عليه طيلة سنة كاملة فجميع الساعات التي يقضيها طالب العمارة في دراسته للسنة الاخيرة هي في خدمة المشروع. انه من احد اوسع المشاريع التي يقوم بها طالب العمارة في حياته الاكاديمية-الدراسية. واحيانا وقبل بداية الموسم الدراسي بعد العطلة الصيفية الحارة يحاول الطالب ان يختار المشروع الذي يناسبه وكذلك الاستاذ المشرف الذي يعتقد بانه الاكفأ بين الاساتذة والذي يرتاح اليه من خلال خبرته الطويلة مع الاساتذة.
هل تتذكر كيف كان اختيارك للمشروع؟ لانه وفي كل سنة جديدة كانت تتغير المشاريع المطروحة للدراسة بحاجة مدينة الموصل والمنطقة اليها وكذلك وحسب خطة القسم وطاقم الاساتذة وكذلك الاستاذ البولوني الكبير بينهم! انا متأكد بان لديك بعض التفاصيل الدقيقة حول هذا الاختيار! اختيار المشروع واختيار الموقع واختيار الاستاذ المشرف؟
هل كان لديك اختيارات اخرى حينها؟
في احيان كثيرة كان الاستاذ نفسه يختار الطلبة الذين سيشرف عليهم لان لكل استاذ كان عليه ان يشرف على عدد محدود من الطلبة. الاساتذة البولونيون كانوا غالبا ما يباشرون في الدوام في القسم قبل موعده الرسمي واحيان كثيرة كان الطلبة يلتقون مع اساتذتهم القادمين من بولونيا للسلام عليهم وكذلك معرفة بعض التفاصيل عن محددات السنة الاخيرة. نظرا لاهمية المشروع لجميع الطلبة هل لديك بعض التفاصيل المهمة التي بامكانك ان تغني هذا الحوار والمرتبطة بمشروع التخرج؟ هل كان للطالب تاثير واضح في تحديد مساريع التخرج او بالاحرى له الحرية في اختيار المشروع الذي يناسبه؟ هل كان مشروع الاسواق المركزية والمكاتب من المشاريع المفضلة لديك؟ لقد قمت باختيار موقع المشروع في قلب مدينة الموصل وفي مكان مزدحم جدا بابنية المصارف والادارة المحلية والنقل. الم يكن هذا الموقع معقدا قليلا في حل جميع مشاكل اللوجستيك المتعلقة به؟

عصام:
من حسن حظنا ان ترك للطالب ان يختار موقعين او ثلاثة في الموصل او اي مدينة عراقية اخرى حيل انتمائه ويعرضها على الهيئة التدريسية للموافقة على احدها, وكذلك لتحديد الاستاذ المشرف على الاطروحة والمشروع التصميمي. وقد كان اول اختياراتي هو قلب الموصل التجاري المحدد بخمسة شوارع تجارية رئيسية وهي شارع سوق باب الطوب وشارع خالد بن الوليد والسوق العصري وشارع مبنى المحافظة. وفعلا فقد طرحت هذا الموقع ضمن مقترحات اخرى على الهيئة التدريسية وتمت الموافقة على هذا الاختيار. ما يميز هذا الموقع هو وجود بناية شركة التامين في احد اركانه والتي تضم الاسواق المركزية اوروزدي باك والتي كانت في وقتها هي المقصد التجاري والتسويقي الرئيسي للعوائل العراقية بشكل عام. كما ان الموقع لم يكن يحوي في داخله على ابنية كبيرة ومهمة بحيث يصعب ازالتها وانما كان محاطا بها مما جعله موقعا متميزا بشكل كبير ليكون هو القلب التجاري للمدينة. وكانت افكاري تتمحور حول استغلال كل الموقع بنسبة 90% مع الابقاء على بناية التامين اوروزدي باك ومحاولة ربطها وظيفيا وشكليا بالمركز التجاري الجديد. اما تحديد الاستاذ المشرف على اطروحة ومشروع التخرج فكان يتم في اغلب الحالات بوجود توافق مبدئي بين الطالب والاستاذ. ولان لي تجربة بالعمل مع بروفيسور كيرجاك في الاشراف على مشروع الكورس الثاني في السنة الرابعة وقد كان مركزاً تجارياً ولكن بحجم ومساحة اقل. لذلك فقد حاولت جاهدا ان اتفق معه من البداية وفعلا فقد تواصلت مع بروفيسور كيرجاك وعقدنا اكثر من لقاء عرضت عليه الموقع الذي تم اختياره وطبيعته ومحيطه وافضل وظيفة لاستغلاله. و شرحت له خلالها افكاري  التي انوي تطبيقها وتنفيذها في هذا الموقع مع بعض الرسومات والسكيتشات الاولية لهذه الافكار. وفعلا تمكنت من اقناعه بان اكون تحت اشرافه في كتابة الاطروحة ومشروع التخرج.

المحور الثالث: الدراسة الاولى للمشروع
كل مشروع معماري جديد يبدأ بدراسة ميدانية لموقع التصميم وكذلك تكوين برنامج المشروع الوظيفي والذي غالبا يهدف الى تحقيق اهداف المشروع والتي تكون متشعبة وعديدة احيانا مثل مشروع معقد ومركب، مشروع له ثلاثة وظائف رئيسية في قلب مدينة الموصل. هذه الوظائف الثلاث تختلف تماما في التكوين والتصميم المعماري لها، ليس فقط في محتوى وظائفها ولكن ايضا في نظرة العمارة كتلويا وبصريا اليها. والنقطة الاخرى هو احتواء تصميمكم على مبنى منفذ في زاوية الموقع ولمعماري عراقي شهير وباسلوب عمارة الحداثة العراقية البغدادية. الان لدينا تساؤلات كثيرة في الطريقة التي قمت باعدادها اثناء دراسة هذا المشروع وما هي النقاط الرئيسية التي اعتمدت عليها في بناء الفكرة الرئيسية للمشروع وكيف تم اختيار هذه الفكرة من الافكار الاخرى العديدة التي يضعها المعماري على ورق الرسم من اجل البحث عن حل كفوء وممتاز في مقياس العمارة؟ اين كانت المعوقات او التحديات الفكرية والمنهجية في اختيار فكرة المشروع؟ كيف تقييم تلك الفترة المهمة جدا في انشاء المشروع التصميمي؟ وما هو دور الاستاذ المشرف في هذه الفترة؟

عصام:
التحدي في هذا المشروع يكمن في موقعه ومحيطه. فمن جهة الشمال فهو يحاذي مدينة الموصل القديمة واسوارها المندثرة واحدى بواباتها التي لم يبق منها غير اسم لازال يطلق على محلة باب لكش نسبة اليه. ومن جهة الشرق فهو يحاذي اشهر اسواق المدينة واقدمها وهو سوق باب الطوب. اما من جهة الغرب فهو يواجه بناية المحافظة التي انشئت في سبعينيات القرن الماضي على طراز حديث. في حين ان نهاية الموقع الجنوبية تنتهي ببناية رفعت الجادرجي المتميزة والتي اصبحت احدى العلامات المميزة لمدينة الموصل. لذلك فقد كان لزاما ان تكون الفكرة التصميمية خليطا من العمارة التراثية والكلاسيكية يضاف اليها لمسة من الحداثة. ولان الاسواق التقليدية الموصلية خاصة والتراثية التقليدية بشكل عام تكون معتمدة على الحركة الافقية دون العمودية فقد كان من الطبيعي ان يفترش جزء المبنى الخاص بالتسوق افقيا بشكل هلامي غير منتظم وعلى اقصى مساحة ممكنة من حدود الموقع بحيث يبقى الارتباط الحركي الافقي متداخلا مع محيطه التجاري بدون انقطاع مما يجعله تكملة للحركة التسوقية للمنطقة برمتها. اما الجزء الخاص بالمكاتب الادارية والسكن فقد اخترت لها ان تكون متعامدة مع حركة التسوق ومتمركزة في الابراج الثلاثة. وكلا الوظيفتين تتقاطع مع الاخرى في الطابق الارضي المخصص لمواقف السيارات وبعض الخدمات الترفيهية. كما ان كل الوظائف تتقاطع مع بعضها في الطابق الوسطي (Mezzanine) المخصص للتسوق اليومي والسينمات والمسارح وغيرها. ولان سقف الجزء الافقي من المبنى هو الطاغي على معظم الكتلة المعمارية وهو الذي سياخذ الحيز الاكبر من شكل المبنى وتحديد عناصره فقد تم اعتماد وحدة هندسية منتظمة ومتكررة فيه وكما تعلمنا في السنة الدراسية الاولى وهو الشكل الرباعي. وقد اخترت ان يكون الشكل الرباعي هو قمة شكل نبات الفطر Mushroom والمرتكز على عمود كونكريتي والذي اصبح يمثل الوحدة الانشائية المتكررة بقياسات ثابتة ولكن بارتفاعات متباينة مما يخلق فتحات تسمح للانارة الطبيعية ان تتسلل الى داخل المبنى وخصوصاً الاجزاء الوسطية من الكتلة الافقية والتي اصبحت بعيدة عن الشبابيك الجانبية بسبب افتراش المبنى لمساحة واسعة. ويمكن ان تنفذ بطريقة القطع الكونكريتية المسبقة الصب لاختصار مدة التنفيذ وضمان دقة العمل.   

المحور الرابع: التصاميم الاولى للمشروع وفكرته التخطيطية النهائية
اي مشروع معماري يمر غالبا بثلاثة مراحل تصميمية واضحة واول تلك المراحل هي مرحلة اعداد الفكرة التصميمية وترجمة برنامج المشروع من مخططات وظيفية الى مساحات وكتل اساسية لتحقيق هدف او اهداف المشروع الكبيرة والكاملة. بعد ان يستقر الهيجان الفكري عند طالب العمارة ويعمل على الفكرة التي يجدها الاجدى والافضل لمشروعه يحاول ان يضع بصماته الاولى على تنفيذ هذه الفكرة وخاصة ما يحدث ذلك بمقياس كبيرة مثل 1:500 وقد لاحظت بانك قد بحثت كثيرا عن ربط جميع الحلول المعمارية والوظيفية والانشائية والتسويقية واللوجستيكية في مجمع من الكتل العمودية والكتلة الافقية التي تمثل الاسواق المغلقة والمحلات والمفتوحة اضافة الى قاعات العرض السينمائي والمسرح والمطاعم وما يشمل ذلك الى خدمتها اللوجستيكية المعقدة في موقع مركزي مغلق ومحدد. لقد ربطت ايضا هيئة الموقع الكتلوية مع بانوراما المدينة لتقدم لنا مقياس المشروع وتاثيره على مقطع المدينة. هناك توازن كبير في جميع ما ذكرته من الوظائف ولكن لقد وجدت لها حلول تفصيليلة تشهد المخططات الافقية والمقاطع العمودية على ذلك.
هل بامكانك ان تشرح لنا كيف قمت بتصميم هذا التكوين المعماري الهائل والكبير والمتعدد الاغراض في تصميم متكامل لا يجد الناقد فيه اية نقاط سلبية يشار اليها او ربما نقاط تطويرية له؟ هذا المشروع ربما هو من المشاريع الكبيرة الغنية بالدراسة المعمارية والذي حدث ذلك قبل اربعة عقود، ولكن وكما ذكرت والذي ينظر اليه اليوم يجده مشروعا يلبي اليوم ايضا جميع مطاليب العمارة الحديثة. هل بامكانكم ان تحدثنا بالتفصيل عن هذه المرحلة وخاصة ربط المشروع مع المدينة  من دون ان يخسر اصالته ووحدته وقوته المعمارية؟

عصام:
لا ادري كيف حصل ذلك ولكني عندما اطلعت على الصور بعد اربعة عقود من فقدانها تفاجات كما تفاجات انت بالفكرة التصميمية المعمارية بشكل عام والانسجام الكبير بين الكتل المعمارية الافقية والعمودية والترابط مع المحيط المكون من مزيج من العمارة التراثية والحداثة. وحسب ما تسعفني الذاكرة فقد كانت الافكار والشخبطات الاولى للفكرة التصميمية ترتكز على ايجاد شكل هلامي غير منتظم يتناسب مع شكل التخطيط الحضري التقليدي في الموصل القديمة وازقتها المتعرجة حيث لا يمكن ان تجد زقاقين متوازيين او متعامدين تماما. بل اشكال هلامية غير منتظمة. كما ان الشوارع الموجودة فعليا في الموقع غير منتظمة كذلك وكانما بنيت على اثر ازقة قديمة من المدينة القديمة وقد اخترت الابقاء عليها كما هي بدون تغيير. كل هذا جعل من البديهي ان تكون الكتلة الافقية بهذا الشكل الهلامي الغير منضبط بشكل هندسي معين. ولو طلب مني الان وضع فكرة تصميمية لنفس هذا الموقع فستكون النتيجة قريبة جدا مما تم انجازه سنة 1985 اما الابراج العمودية الثلاثة فقد كانت متناغمة مع بانوراما خط الافق للمدينة القديمة حيث تبرز منارات الجوامع وابراج الكنائس كعناصر معمارية عمودية مفاجئة تخرج من صمت الهدوء الافقي للمدينة القديمة. وقد تم توضيح فكرة البانوراما في المخطط رقم 11 والذي تمكنت من رسمه بشكل مقارب للحقيقة عن طريق التقاط عدة صور متسلسلة للجانب الايمن من المدينة من مواقع مختلفة على طول ضفة النهر من الجانب الايسر.

المحور الخامس: التصاميم المعمارية للمشروع وفكرته الوظيفية
بعد ان يهدأ البركان الفكري الاول ويستقر الهيجان التصميمي يبدأ المصمم في البحث عن الحلول التطبيقية الوظيفية لجميع ملحقات المشروع ووظائفه الرئيسية. المصمم محدد ببرنامج المشروع الذي وضع مسبقا للمشروع. انت تبحث دائما عن الكمال الوظيفي وبامكانك حل جميع العقد المربوطة بين اجزاء المشروع. هنا يجب على المصمم ان ينظر للمشروع نظرة الهيلوكبتر ليرى كيف ستعمل جميع وظائفه وتستمر انسيابية الحركة فيه وتعمل جميع اجزاءه ضمن الوظيفة التي حدد لها. لقد قمت باعداد مخططات وظيفية افقية مفصلة وقمت بربط جميع اجزاء المشروع عموديا وافقيا مع بعضها البعض وكانها وحدة تكافلية واحدة. حدثنا عن الاسلوب المعماري الذي قمت به من اجل حل جميع معضلات المشروع الوظيفية والتي هي كثيرة حقا؟ من اين جاء هذا الحل الوظيفي واين هي نقاط قوته او ربما ضعفه ايضا؟ هل بامكانك ان تقييم هذه المرحلة وتاثيرها الكبير في ربط المراحل الفكرية-التصميمية قبلها وبعدها؟ الاستاذ المشرف على مشروعك المرحوم البروفيسور جيرجاك كان دقيقا جدا في اكتمال المشروع وظيفيا وحتما كان له تاثير في الوصول الى هذه النتيجة المعمارية الممتازة. هل لديك ايضا ذكريات جيدة معه حول تلك التواصلات والارتباطات الفكرية بين الاستاذ والطالب؟ ومن دون هذه الارتباطات كان يصعب على الطالب الحصول على الضوء الاخضر للاستمرار في تصميم المشروع. هل تتذكر متى حصلت منه الضوء الاخضر وكيف تم ذلك؟

عصام:
من البديهيات في تصاميم التجمعات التجارية ومراكز التسوق هو ضرورة توفر ثلاثة عوامل مهمة الاول سهولة وصول المتسوقين اليها باستعمال خطوط المواصلات العامة ثم السير والتجول في ممراتها بامان من غير ان تتقاطع حركتهم مع حركة السيارات. والثاني توفر مواقف سيارات كافية وقريبة جدا ومتصلة بها حركيا بدون موانع. يضاف الى ذلك سهولة توصيل البضائع وعمليات الشحن والتفريغ والتخزين. لذلك كان من اولى مهامي هو ايجاد حل معماري يخدم كل الغايات. اضف الى ذلك ضرورة ربط التكوين المعماري الجديد بالمحيط الذي ولد فيه بما يجعله يبدو وكانه جزء منه وكانه غصن شجرة جديد قد نما بشكل طبيعي من ساق الشجرة الرئيسي. من اجل ذلك فقد حاولت ان يكون جزء المبنى الخاص بالتسوق ممتدا بشكل افقي الى اقصى اطراف الموقع وكانه يلامس اطراف الابنية التجارية المحيطة بالموقع ومتشابكا معها ويمكن الدخول له والخروج منه من اي جهة او طرف من المبنى من غير ان يكون للمبنى الجديد اية مداخل رئيسية او حتى ثانوية تحدد بداية السوق ونهايته بما يتماشى مع فكرة الاسواق التراثية التقليدية للموصل القديمة. وهذه اهم نقاط القوة في الحركة الوظيفية لهذا الجزء من المبنى. وقد كان لتوجيهات البروفيسور كيرجاك وتبادل الاراء ووجهات النظر معه اكبر الاثر في الوصول الى هذه النتيجة. فترى ان الطابق الارضي مفتوح من كل الجهات مع وجود الكثير من المنحدرات Ramps للمشاة لتسهيل وصولهم للطابق الثاني الخاص بالتسوق. في حين قوبل اصراري على توزيع مواقف السيارات على مساحة واسعة وعلى طابقين بالتاييد الكامل منه. فقد تم استغلال الفرق الكبير بين الطابق الارضي والطابق الاول لخلق طابق وسطي اضافي لمواقف السيارات خصوصا ان هذه المواقف جاءت قريبة من قاعدة الابراج الثلاثة مما اتاح امكانية عالية لخدمة الابراج الثلاثة بشكل ملائم جدا. كما اضاف المزيد من نقاط القوة للعناصر الوظيفية للتصميم. يضاف الى كل ذلك توفر مساحات كبيرة لخدمات الخزن ومنصات الشحن والتفريغ في الطابق السفلي مع سهولة وصول الشاحنات الى هذه المنصات وسهولة المناورة بين الاعمدة الكونكريتية الحاملة للمبنى (كما موضح في المخطط رقم 6). ولعلمي ان مساحات الخزن هذه لن تكون ذات فائدة بدون توفر وسائل الحركة العمودية من مصاعد للافراد واخرى خاصة بالشحن بالاضافة للدرج فقد تم توزيع الكثير منها لتكون قريبة لكل اجزاء المبنى ولتشكل ترابط وظيفي عمودي بين الطوابق الثلاثة.

المحور السادس: التصاميم المعمارية للمشروع وفكرته الانشائية
يتصور بعض النقاد بان المصمم المعماري وظيفته هي فقط اختيار الشكل النهائي للمبنى. ولكن هذا التصور تصور خاطيء جدا. المصمم الجيد البارع يتخذ من الهيكل الانشائي والفكرة الانشائية احد اعمدة تصميمه المعماري وخاصة في مشروع كبير مثل هذا. اختيارك لهذه الوحدات الانشائية البارزة في المشروع جعل منه وحدة معمارية متكاملة. من يدخل الى فضاءات المشروع يتوقع بانه يدخل احدى صالات المطارات بسبب الفضاءات الكبيرة الواسعة وسقفها العالي الذي تحمله هذه الوحدات المتميزة سواء منفردة كانت او مع بعضها حيث تشكل النسيج المعماري لهذا المبنى. من اين جاءت فكرة هذه الوحدات وكيف قمت باختيار هذا العنصر الانشائي-المعماري-التشكيلي من دون العناصر الاخرى؟ من اين جاء هذا الاستلهام الفكري البديع؟ ليس فقط باختيار العنصر وحده ولكن طريقة استعماله وانسيابيته في الحركة والاختلاف في ارتفاعاته من اجل سحب الضوء الى داخل صالات المشروع. هل بامكانك ان تحدثنا عن تفاصيل هذه المرحلة التصميمية المهمة ومدى تاثيرها الكبير في النتيجة النهائية؟ هل قمت باستشارة المصممين الانشائيين في قسم الهندسة المدنية ايضا؟ هل كان هناك ايضا اشراف من قبل اساتذة القسم لمثل هذه الحلول التي لم تكن قد وجدت طريقها الى سوق العمارة عدا في المشاريع الاستراتيجية في بغداد؟

عصام:
بالنظر لاتساع المبنى وافتراشه لمساحة كبيرة كان لابد من ايجاد طريقة لتسقيف هذه المساحات. وبعد البحث وتحليل الكثير من الفكار وجدت ان استعمال الكتل الكونكريتية المسبقة الصب على شكل نبات الفطر Mushroom هو انجع الحلول لخدمة الغرض المطلوب. وبذلك عدنا الى ما تعلمناه في السنة الاولى من د. فريدسكي وهو استعمال الاشكال الهندسية المنتظمة والمتكررة بطريقة معينة بما يتناسب مع الفكرة التصميمية المعمارية ويخدمها. اضافة الى ان تكرار هذه الوحدات الهندسية مع احداث فوارق في ارتفاعاتها يسمح باستغلال الفرق في الحصول على اضاءة طبيعية الى داخل المبنى. كما ان التقاء كل وحدتين جنبا الى جنب يشكل قوسا اسلاميا من الطراز العباسي حتى وان كان القوس مكسورا احيانا بسبب فرق الارتفاعات وبما يشبه (ولو من بعيد) القبة المنشطرة للنحات اسماعيل فتاح الترك في نصب الشهيد في بغداد. هذا في الوحدات الانشائية الداخلية اما الوحدات الخارجية فقد كانت كلها بارتفاع واحد مما جعل الاقواس المنتظمة هي الطاغية على واجهات المبنى. اما المساحات الكبيرة فقد تم تسقيفها بالهياكل المعدنية Space Trusses كما في حالة سقوف صالة السينما والصالة المتعددة الاغراض. الجميل في هذه الاشكال الفطرية المخروطية هو انها تسهل كثيرا عملية تصريف مياه الامطار من خلال انابيب تتوسط سطحها القمعي الشكل والمتصل بانابيب تصريف في وسط العمود الكونكريتي الى شبكة مجاري تحت الارض. كما قمت باستشارة د. اكرم الساعاتي للتاكد من ان هذا الهيكل الانشائي قابل للتنفيذ عملياً وان القياسات المقترحة لها تجعلها متناسقة مع اوزانها وقدرتها على التحمل. ومن خلال النقاشات مع بروفيسور كيرجاك تم تحديد الكثير من التفاصيل المعمارية لكيفية ترابط هذه الهياكل الانشائية الضخمة مع بعضها البعض ومع الجدران الساندة لها وايضا مع السقوف الاخرى المستوية. كما تم الاستفادة من بعض المصادر العالمية المتوفرة في مكتبة الجامعة لتحديد تفاصيل انشائية ومعمارية للشبابيك الرابطة بين الارتفاعات المختلفة ومناقشتها مع اساتذة القسم المتخصصين بتدريس مادة Material & Construction وعلى راسهم د. نجدت زكي شاكر و البولوني د.ارتور غامبريزوسكي وقد وضحت هذه التفاصيل في المخطط رقم 5.

المحور السابع: التصاميم المعمارية للمشروع وفكرته الجمالية-البصرية-المعمارية
المحصلة المعمارية  في المرحلة الاخيرة هي نتيجة نجاح المراحل قبلها ايضا، ولكن من دون تشغيل الماكنة الحرفية للمصمم في رسم هذه التصاميم سوف لن يكتب لها النجاح ابدا. قبل اربعة عقود كنا نرسم باليد فقط. ومن يتابع تفاصيل هذا المشروع لا يتوقع مدى الدقة والكفاءة التي يمتلكها المصمم من اجل تحقيق هذه النتيجة البصرية الهائلة. انها بانوراما معمارية متكاملة وقصة معمارية حدثت احداثها في الموصل وعلى يد احد ابنائها ونتيجة الجهد الذي بذله الاساتذة البولونيون في تعليم الطالب ليس فقط حرفيات الرسم المعماري ولكن ايضا منهجية التصميم المتكاملة. الافكار الجيدة تحتاج الى مخططات معمارية ممتازة بامكانها من تصوير فكرة المشروع. انها الوسيلة وليست الهدف النهائي من دراستنا المعمارية. ولكن من دون هذه الوسيلة التقنية الفنية ليس بامكان المعماري ان يمتهن مهنته حينها. اليوم دخلت برامج الكومبيوتر في مهنة المعماري وتغيرت كثيرا بحيث اصبحت هذه البرامج هي التي تصور العمارة اما حينها في زماننا نحن كانت اليد وحدها والقلم فقط!
هل كان لديك طقوس خاصة اثناء التقديم النهائي ورسم المشروع وعمل الموديل له؟ هل تتذكر الوقت الكلي الذي تطلبه فقط رسم المشروع حينها؟ هل بامكانك ان تحدثنا عن تفاصيل هذه المرحلة ومدى قناعتك حينها في النتيجة النهائية والتقديم النهائي ومناقشة المشروع ثم رضى الاساتذة والزملاء عنه وكيف كان التقييم حينها؟ هل تتذكر شيئا عن لحظات المناقشة وكيف جرت؟
اليوم وبعد اربعة عقود من تلك الفترة الذهبية في حياتنا وبعد تخرجك ودخولك ساحة العمل والحياة لابد ان يكون لتاثير الدراسة وخاصة المشروع الاخير واضح في هذه المسيرة الطويلة. لقد وصلت صور المشروع مؤخرا وهي كنز فكري وثقافي كبير. كيف توصف لنا هذه اللحظات وكم من الساعات بقيت تنظر اليها وتتذكر من خلالها تلك اللحظات؟

عصام:
لقد وصلتني صور مشروع التخرج مؤخرا بعد عقود من الزمن كنت اعقد انها قد ضاعت للابد. والحمد لله فقد كانت كمن وجد كنزه المفقود. ولتكتمل فرحتي ولحسن حظي فقد جاءت معها صور مشروع التخرج في دراسة الماجستير والذي قدمته سنة 1988 كجزء من متطلبات الدراسة في قسم الهندسة المعمارية في جامعة بغداد والذي كان مشروع تطوير منطقة في الموصل القديمة لتكون مركزا تجاريا مع الحفاظ على هوية المكان والطابع المعماري التراثي له. والابقاء على ثلاثة شخوص تراثية مهمة في المكان وهم بيت ايليا جمعة وبيت حمو القدو وجامع النبي جرجيس. وفعلا لقد اطلعت على الصور عشرات المرات والابتسامة لم تفارق وجهي (كما قيل لي) ولم اتخيل اننا كطلبة كنا نستطيع ان نصل الى هذا المستوى العالي من الافكار المعمارية الراقية وتقنيات الرسم والاظهار مما يعطي فكرة عن مستوى التعليم الذي وصل اليه القسم المعماري في جامعة الموصل. كل هذا بدون ان تتوفر لنا التقنيات الكمبيوترية الحديثة في الرسم السطحي والثلاثي وطرق الاظهار الالكترونية. وحسب الذاكرة فقد اخذ تجهيز ورسم مخططات التقديم النهائي حوالي شهرا كاملا كنت خلالها مشغولا ايضا بكتابة الاطروحة اضافة الى العمل على الرسومات. حيث يتطلب تقديم مخططات التصميم مع الاطروحة التي تكمل وتشرح الفكرة التصميمية وكافة الجوانب المعمارية الاخرى التي لايمكن وضعها على المخططات. وفي جلسة عرض ومناقشة الاطروحة ومشروع التخرج امام لجنة الامتحان فقد تركزت الملاحظات ونقاط النقاش على الترابط البصري والحركي بين البناء الجديد ومحيطه وعلى العناصر المعمارية المستعملة وتحليلاتها. واذكر ان الاستاذ المشرف بروفيسور كيرجاك كان جالسا جلسته الهادئة المعهودة التي تعودنا عليها وهي ان يشبك ذراعيه امام صدره مع بعضهما ويحني رقبته للامام قليلا ويضع ساقه اليمين فوق الشمال مع تركيز نظره باتجاه واحد بشكل دائم ويرسم ابتسامته الخفيفة المعتادة على وجهه ولا اذكر انه تكلم اثناء المناقشة او انه اضاف شيئا. فقد تركني اواجه مصيري لوحدي. وبحمد الله فقد حصل المشروع والاطروحة على درجة امتياز.  

الخاتمة
هكذا وصلنا الى النقطة التي بدأ منها حوارنا اعلاه الا هي العمارة نفسها! العمارة كنتاج فكري ثقافي هندسي وضعت نفسها في اعلى قائمة الفنون. ولكنها تختلف عن الفنون التشكيلية بان لها محدداتها الوظيفية والانشائية والهندسية والبصرية. عندما يقف الفنان امام لوحته يختلف ذلك عندما يقف المعماري امام منضدة الرسم. في الحالة الاولى بامكان للفنان ان يرسم ما يحلو له من مواضيع تعجز الكلمات عن تحديد هويتها فتقوم الالوان والاشكال بدورها الساحر في ذلك وتنجح بما فشلت فيها الكلمات.


اما في العمارة فان الطريقة التي تعمل بها مخيلة المصمم محددة بالكثير من القيود الموقعية والوظيفية والاقتصادية والشكلية. المعماري واجبه ان يجعل من مبناه (وقبل ان يبنى) الحل الافضل لمعالجة جميع هذه القيود وربطها مع بعضها في نظام معرفي-هندسي بامكان المرء حسابه وتحليله واعطاء الاسباب الموجبة لتحقيقه. لكل مشروع معماري برنامج شامل يتم تنظيمه مسبقا ومن قبل جميع الاطراف التي تشترك في تحقيق واستخدام المشروع.

ان النضج المعماري عند الطالب المعماري تجده مثل فوهة البركان الذي يقذف اطنان هائلة من الطاقة الكامنة في مخيلته وذاكرته المعمارية، التحليلية منها والبصرية. جميع الفضاءات او اجزاء الفضاءات التي يصممها المعماري تكون قد خرجت من فوهة ذلك البركان الذي لا يهدأ ابدا الا عندما يضع المعماري قلمه على منضدة الرسم ويودعها وداعه الاخير، هذا ان كان بمقدوره من تحقيق ذلك.

مشروع التخرج لطالب ومهندس العمارة الزميل عصام محمود سعيد لعام 1984-1985 هو مثال لتلك المشاريع الناضجة شكلا ووظيفة ودراسة وهندسة. انه، ورغم مرور اربعة عقود من الزمن عليه، الا انه يحافظ على اصالته الفكرية والمعمارية، ولقوة الطاقة التصميمية الكامنة فيه ولغاية اليوم فبامكان هذا المشروع اليوم ان ينافس اكثر المشاريع حداثة.

المدرسة المعمارية للعقد الاول من حياة قسم العمارة في جامعة الموصل امتازت بنضجها الفكري واستقرارها المنهجي والقوة التصميمية الكفوءة لمشاريع الطلبة حينها والتي كانت مشاريع مستقرة ومتوازنة ورصينة في هويتها المعمارية. لم يكن قسمنا الوليد حينها قد ولد طفلا ولكنه ولد من رحم مدرسة فورسلاف البولونية والتي بدورها ولدت بين مدارس العمارة الرئيسية في اوروبا.
لقد حافظت فورسلاف على المستوى التعليمي المعماري العالي والذي كان يوازي التعليم المعماري الاوروبي. جميع الاساتذة البولونيين الذين اشرفوا على مشاريع طلبة الموصل كانوا من اشهر اساتذة الجامعة وهذا ما تبين عندما بحثنا عنهم وعن سيرتهم المهنية.


هكذا كان على طالب العمارة في الموصل ان يقف امام تيار معماري قوي مشحون بالمعرفة التطبيقية على ارض الواقع في مشاريع استراتيجية وبحوث علمية قيمة قام بها هؤلاء النخبة من الاساتذة الكبار.
المشروع الكبير يحتاج الى طالب ملهم شغوف مجتهد كفوء والى استاذ كبير وبيئة ثقافية ناضجة. فاذا توفرت هذه العوامل نتج من ارتباطها افكار تصميمة خلاقة صافية لا شائبة فيها. هكذا هو مشروع اليوم امامنا حيث مثل لوحده ترجمة مباشرة للصفاء المعماري الذي تم خلقه في مخيلتنا الفكرية حينها.

مشروع التخرج للزميل عصام محمود سعيد هو تاج مشاريع تلك المرحلة الثمانينية التي استمرت لعقد كامل من الاستشراق المعماري البولوني في جامعة الموصل. لقد اكمل البروفيسور د. جيرجاك رسالة البروفيسور د. باج ورفاقه في الساحة المعمارية الفورسلافية فكان دوره كبيرا في الاشراف على مشاريع تخرج العشرات من طلبة القسم ورفع مستوى لغتهم المعمارية الى مصاف اللغات العالمية المتقدمة.

لقد استمتعنا اليوم ليس فقط بقراءة افكار احد مصممي تلك الفترة المعمارية المهمة في حياة العمارة بصورة عامة، ولكن استمتعنا اكثر بصفاء ورونق المنهج المعماري الذي اتخذه المعماري عصام محمود سعيد في تصميم مشروعه وخاصة قد ظهرت فيه جميع سمات العمارة العالمية الثمانينية والتي خدمت المحلية المعمارية في الموصل. مشروع كبير، لمشرف كبير، لمدينة كبيرة ولطالب لم يكن يرضى الا بالميدالية الذهبية والتي استحقها ايضا. لم يكن الاول فقط على دفعته في القسم ولكن على كلية الهندسة باكملها، فلولا اتقانه فن التصميم والتفكير والتحليل لما فاز بها.

نُشِرت في من طلبة العمارة | أضف تعليق

المعماري وسام محسن ياسين الشيخ عيسى

طالب ومشروعان
المعماري
وسام محسن ياسين الشيخ عيسى من طلبة قسم العمارة لجامعة الموصل 1986-1990
عماد رمو
Emad Rammo /هولندا تشرين الأول 2020

اجمل شيء في الحياة هو التعارف، واذا كان هناك جنيته شخصيا من كتابة هذه السلسلة الطويلة من المقالات فهو التعرف والتواصل مع زملاء واصدقاء قسم العمارة لجامعة الموصل. لم يتم التخطيط لكتابة هذه المقالات التوثيقية مسبقا لها، بل كل ما ينشر من المقالات ياتي بصورة عفوية مما يجعلها دائما خارج التصنيفات الاكاديمية او الصحفية الدقيقة. اذا توفرت في المقال الذي انوي الكتابة عنه ثلاثة عناصر مهمة وهي:
ان يكون للموضوع علاقة مباشرة مع قسم العمارة لجامعة الموصل.
ان يكون للموضوع علاقة باحد اساتذة او طلبة العقد الاول من قسم العمارة في جامعة الموصل.
ان يكون للموضوع علاقة وثيقة مع مدينة الموصل.

وغالبا ما تتوفر هذه العوامل المشتركة في هذه السلسلة من المقالات وهي فرصة ثمينة لي لتوثيقها والكتابة عنها قبل ان انساها او تضمحل علاقتي معها.

منذ مدة وانا اتابع بعض ما ينشره الزميل المعماري وسام محسن ياسين الشيخ عيسى (خريج عام 1990) في صفحته الشخصية وغالبا ما يطرح افكارا معمارية للمناقشة، فهو منشغل باثنيتن، اما مع العمارة او الصيد البحري. وعندما كنت مشغولا بكتابة مقال عن استاذنا الكبير المعماري عماد البكري اطال الله في عمره، وعماد البكري هو من احد المؤسسين البارزين لقسمنا المعماري في جامعة الموصل، لا بل كان هو ايضا حلقة الوصل بين جامعة فورسلاف البولونية وجامعة الموصل، حيث تعاقد مع افضل اساتذة تلك الجامعة وقد نشرت سابقا لكل استاذ مقال خاص به حسث كان وسام اهم المساهمين فيه من خلال مشاريعه الدراسية. كان الاستاذ عماد البكري يهتم كثيرا ببعض مشاريع الطلبة ويهمل احيانا اخرى. ومن حسن حظ زميلنا المعماري وسام ياسين انه كان قد بني علاقة وثيقة جدا مع استاذه المفضل عماد البكري، ورغم ان مشروع تخرجه، وقد كان تصميم قسم العمارة في جامعة الموصل، لم يكن تحت اشراف الاستاذ عماد البكري ولكن البروفيسور د. بلجاريسكي، والذي خصصت له مقال موسع ايضا، الا انه قد جمع بين تشكيلية عماد البكري ووظيفية بلجاريسكي ولغاية اليوم يضع المعماري أ. وسام ياسين في جميع تصاميمه تلك المباديء المعمارية العالية التي تعلمها اثناء دراسته للعمارة في الموصل.

ان جيل ودورة المعماري وسام الشيخ عيسى حيث تخرج عام 1990م ونرى في صورة التخرج بان البروفيسور بلجاريسكي والدكتور روميك كانوا من البولونيين الحاضرين في تلك اللحظة حيث كان ذلك اخر حضور رسمي من اساتذة جامعة فورسلاف بين صفوف الطلبة. ومع الاسف الشديد انقطعت العلاقات الرسمية بين الجامعتين لغاية هذه اللحظة حيث هناك جهود فردية لاعادتها مرة اخرى.

من اهداف المقال:
قبل ان ابدا بسرد حكاية اليوم وهي حكاية المعماري الزميل وسام الشيخ عيسى، وربما يعرف الكثيرون بان دوري في هذه المقالات ليس الا سرد الحكايات، اجد من الضروري وفي كل مقال قادم يخص توثيق قسم العمارة في جامعة الموصل ان اكتب اهداف المقال مقدما لكي يكون واضح لي وللقراء جميعا الاهداف الضمنية في كتابة هذا المقال ولكي يكون في مقدوري في نهايته من التاكد فيما اذا وصلت للهدف او تلك الاهداف التي بنيت المقال حولها، ام عجز المقال نفسه من التعبير عنها. ورغم ذلك فاني اؤكد للقاريء الكريم بان صيغة الكتابة لهذه المقالات المعمارية ليست ابدا بحثية او اكاديمية، لانه ليس الغاية منها البحث في موضوع ما او التحقيق من نظرية تصميمة او تحليل علمي لمعضلة معمارية او فلسفية. الصيغة التي انوي دائما الكتابة من خلالها هي صيغة التوثيق والتي ما اشبهها بكتابة حكاية ما او رواية احيانا. في جميع المقالات يجد القاريء بان الموضوع يتمحور حول شخصية او حادثة او مجموعة واحاول ان اربط جميع ما يجري في الحكاية حول هذه الشخصية او الحادثة او المجموعة كي يكون بامكاني من رسم صورة مشوقة ومفصلة كي لا يمل منها القاريء. لا اكتب ابدا في صيغة المجهول، وكما يكتب غالبا بها في الابحاث الاكاديمية، بل بصيغة الحاضر والماضي والمضارع وغالبا ما يكون الضمير معرفا مسبقا مما يعني بان الموضوع ليس له اية علاقة مع البحوث العلمية والتي احترمها كثيرا، ولكن الفيسبوك، موقعي الشخصي ايضا، ليس منصة مناسبة للكتابات الاكاديمية بل مكانها المجلات المختصة فيها. كذلك لا اعتبر نفسي ناقدا ام محللا مختصا باحد فروع المعرفة والادب لان ذلك يحتاج الى دراسة وتخصص دقيق فيها لا املكه الان حقا.

الان لابد باهداف حكاية اليوم:
من خلال هذا المقال سيكون بامكان القاريء الاطلاع على مسيرة زميلنا وسام الشيخ عيسى وهو احد زملاء قسم العمارة في جامعة الموصل وفي عقده الاول.
في نهاية هذا المقال سيكون بامكان القاريء ان يتعرف على تفاصيل مشروع التخرج للزميل وسام الشيخ عيسى.
في نهاية هذا المقال سيكون بامكان القاريء ان يتعرف على احد المشاريع المعمارية السكنية التي صممها المعماري وسام الشيخ عيسى في مدينة الموصل.
في نهاية هذا المقال سيتعرف القاريء على فلسفة المعماري وسام الشيخ عيسى في الحياة والعمل.

وقبل ان ابدا بتفاصيل هذا المقال يبدو لي ان اقول للقاريء الكريم باني ممتن كثيرا لزميلي المعماري وسام الشيخ عيسى لاتاحة الفرصة لنا جميعا للتعرف عليه من قرب والدخول الى عالمه المعماري والتجول في مراسم مكتبه وشغفه الكبير في التصميم والعمل حيث سنتطلع على تفاصيل دقيقة لبعض منها، اضافة ان المقال يعتمد على المحاورة التلفونية التي جرت بيننا السبت الماضي (10-10-2020) وكذلك من خلال جميع الملحقات التي ارسلها لي مشكورا حيث وضع ملف مشاريعه جميعها في خدمة هذا الموضوع وحقيقة اعتبر ذلك مسؤولية كبيرة في الحفاظ عليها واستخدام ما يناسب منها لهذه السلسلة من المقالات.

المعماري وسام الشيخ عيسى  ولد في قرية الزاوية على نهر دجلة جنوب كبريت المشراق. ومن خلال الحديث معه يكتشف محدثه كرم ابناء الريف وانتمائهم الى جذورهم الاولى وحبهم للطبيعة والصيد فكيف وان دجلة قد جاورته طيلة شبابه. ورغم اني كنت اتوقع بان اسم قريتة هي “الزوية”، ولكن وسام صحح لي هذه المعلومة الجغرفية حيث قريته ليست الزوية ولكنها “الزاوية”، وربما سميت بهذا الاسم لان نهر دجلة ينحرف بزاوية هناك قبل التقاء الزاب معه، او اذا كان بامكان وسام لاحقا ان يزيدنا علما بمعنى اسم قريته الزاوية وشيء عن تاريخها. ومن الطبيعة الجميلة لقرى نهر دجلة حيث ينساب هادئا بين تلال وجبال مكحول في اتجاهه الى بغداد ومن ثم الى البصرة. ورغم ان وسام قد نشأ وترعرع في بغداد والموصل الا انه لم ينس قرية والده الذي كان يقضي اكثر ايام عطلته فيها، وكم يفرحني كثيرا عندما اتعرف على زملاء يفتخرون باصولهم الجغرافية ومهما كانت صغيرة او بعيدة.

المشروع الاول: تصميم قسم العمارة لجامعة الموصل وهو مشروع تخرجه لعام 1990م.

لماذا اختار المشاريع القديمة جدا؟
رغم ان المعماري وسام الشيخ عيسى ارسل لي العشرات من المشاريع التي صممها ونفذها في مدن ودول عديدة، وهي كثيرة بصراحة، ولكن قد وقع اختياري على مشروع التخرج له، رغم انه قد مرت عليه بحدود الثلاثة عقود من السنين العجاف واصفر ورق الكانسون الابيض وتموج سطح هذه الشيتات القيمة بحيث اصبحت مثل تلك السكيجات التي كنا نقدمها امام الاستاذ المعماري من اجل النقد وليس التقديم النهائي. ورغم كل هذا وذلك، ولكن لم اجد مشروعا اخر يماثله من ملفه الجامعي غير مشروع المرحلة الرابعة والذي كان بعنوان تصميم مستشفى اكاديمي في مدينة دهوك حيث كان باشراف المعماري الموصلي الاستاذ عماد البكري (قدمته في حلقة حول استاذنا الكريم عماد البكري). وبعد توزيع الطلبة بين الاساتذة تبين ان البروفيسور د. بلجاريسكي هو الذي سيشرف على اطروحة التخرج له مما يعني الانتقال الى المدرسة الوظيفية في العمارة والتي هي في تضاد دائم مع المدرسة الجمالية في العمارة والتي تجعل شكل العمارة في المقدمة ثم وظيفتها. وهذا التنوع في الاشراف اضاف الى خبرة وسام التصميمية حرفيات معمارية جديدة.

ولكن كيف كانت الطريقة الارشادية “البلجاريسكية” مع الطالب وسام الشيخ عيسى في الوصول الى هذا التصميم الذي جعلني ليس فقط انا اكتب عنه ولكن ان اتحرى عن قصته التي لم تحك للجميع ورغم مرور هذه السنين العديدة عليها؟

يقول وسام عن هذا المشروع:

“…رافقني مشروع الاطروحة بقية حياتي المهنية حيث فتحت عيوني على جوانب وجماليات في العمارة لم انتبه لها طيلة دراستي ومشاريعي تحت اشراف استاذ عماد.. الاطروحة نبهتني للمدخل وجمالية الفضاءات وتسلسلها،  الشيء الذي تستطيع تلمسه في اكثر تصاميمي ومعظم كتاباتي اللاحقة الى اليوم. اصبحت مولعا بفضاء ومعنى المدخل والمحاور البصرية وجمالية الوظيفة .. اليوم ارى اني كنت محظوظا اني لم اكن من طلاب استاذ عماد في الاطروحة، لانه اعطاني مشكورا قبلها كل ما عنده وما كانت ستكون مختلفة عن ما سبقها تحت اشرافه، وقد كان على حق عندما قال ان هذا العمل ليس تصميم وسام الذي اعرفه..”

لكل حكاية جرت احداثها بين جدران الجامعة لها عندي وقع شاعري، فهي بحد ذاتها شاهدة على تلك الايام الرائعة لقسمنا المعماري في عقده الاول. انا ابحث عن الحكايات فهي اثمن عندي من اي شيء اخر، فنحن جميعا مجموعة من الحكايات ومجموعها تشكل “الحكاية الكبيرة” هذه الحكاية الكبيرة هي هدفي الاول والاخير من هذه المقالات وعندما ستكتمل فصولها فسيكون بامكاننا من نقلها الى الاجيال القادمة. وكل مشروع معماري بالنسبة لي يمثل احدى هذه الحكايات ولكن المشكلة الكبيرة تكمن في مضمونها وكيف بامكاننا من سردها وقصها ونقلها وحكيها من دون التلاعب بفصولها؟

من هذا البعد اشتم رائحة المشروع الذي صممه زميلنا وسام الشيخ عيسى ، من هذا البعد يعطر كرافيك الرصاص وحبر الروترينك الفضاءات التي رسمتها خطوطه المستقيمة الصلبة والعنيفة والعنيدة التي لا تقبل ان تلتوي في اية زاوية من مشروعه الكبير. لا بل من ينظر الى تصميم الحدائق الذي هو تكملة لمشروعه يجد الفرد بان وسام يحب التناظر والتعاكس والتضاد والتشابك في جميع تفاصيل عمارته التي هي امامنا شاهدة على عمارة فترة الثمانينات والتي كانت قيمها وحدودها ومبادئها استمرار لعمارة الحداثة. لقد نسج وسام سجادة خضراء لها اتجاهاتها ومحاورها وطرقاتها التي سيطرت عليها ثلاثة تصاميم اساسية في مركز جامعة الموصل: المكتبة المركزية على يمين موقع قسم العمارة المقترح ويقابله صرح المركز الطلابي الكبير لمصممه الموصلي المعماري عماد البكري. الان بدأت تتوضح لي عناصر الحكاية ومحاولة المعماري وسام ياسين انشاء صرحه ايضا مقابل صرح استاذه الكبير عماد البكري.

يقول وسام ياسين في هذا الامر بان البروفيسور بلجاريسكي كان يمسك بيدي وياخذني معه الى موقع القسم المقترح ويبدأ يشرح لي محاور المكان وكيف يجب ان يكون تصميم القسم يناسب محاور هذا الموقع الثلاثي. فمن الجهة الشرقية يواجه التصميم مساحة واسعة مركزية خضراء ويمر من امامه اكثر طلبة الجامعة والمؤسسات التابعة له، اما من جهة الشمال فيقابل القسم المدني القديم بعمارته التكتونية الحجرية الصلدة وبينهما اجمل شارع في الجامعة تتبختر فيه الطالبات بين صفوف اشجار الصفصاف العالية ينتظرهن الشباب في كل فسحة دراسية لهم. في هذه الزواية كان يجب على وسام ان يصمم مشروعه المستقبلي ويضع له خطوطه الاولى من اجل الوصول الى تصميم يناسب خصوصية دراسة القسم المعمارية من جه، وخصوصية المكان من جهة اخرى. يجب ان يقال بان في تصاميم القسم المدني وما يقابله من كلية العلوم لم يتم مراعاة خصوصية المكان الذي يحاذي اتجاهين متجاورين. ربما ان عربات القطار لقسم العلوم التي تتسلسل في نظام هندسي صارم، وتقابله كتلة القسم المدني الذي لا يهمه الاتجاه ابدا بقدر اهتمام المصمم فقط باستيعاب اكثر عدد من الطلبة وجعلهم يمرون من باب رئيسي تقليدي واحد.

اما وسام فقد خالف هذه النظرية المعمارية القاسية في تصميمه وجعل عمارة القسم المعماري مفتوحة على ثلاثة محار مهمة جدا لهذا المكان الاستراتيجي الجميل بحيث لا يعرف الزائر الجديد للقسم اين هو الباب الرئيسي بل ان تصميم المبنى نفسه “يشهقه” الى الداخل الذي ليس هو بحد ذاته “داخل” حقا، انه مكان يتارجح بين الداخل والخارج، وهذه النظرية التصميمية “الياسينية” بدأت تتجلى عندي بعد ان فتحت طلاسم هذا العمل الفني الجميل الذي لا يبدو لي الا انتقالات مكانية ملئية باحاسيس تذوق الفن في العمارة. هنا من يدخل هذا المبنى لا يشعر انه في المبنى ولكنه مع المبنى. ومن اجل قراءة المغزى التصميمي والفلسفي لهذا التصميم وجب علي ان استعمل شاشتين: الاولى للكتابة والثانية للقراءة، اقصد قراءة التصميم في خطوطه ومساحاته ومحاوره وفضاءاته وكتله وسطوحه وممراته وانفاقه وسلالمه واروقته وابراجه وقاعاته وفناءاته وقاعاته وشبكاته الانشائية.
في احدى المناقشات الرقمية-الانترنيتية حول هذا التصميم سال المعماري معن ال خميس اغا وهو صديق وزميل المعماري وسام ياسين ما يلي:

“لم تبين لنا سبب رفع المبنى على اعمدة …وما هي وظيفة الطابق العلوي في الواجهة . هل هي ستيوهات ام الادارة ام ماذا …؟”

ومن خلال هذا السؤال البريء والذي لا يخلو من بعض “المشاكسة المعمارية” طبعا قام وسام بشرح سياق التصميم لمشروعه بلغته المباشرة الواضحة حيث رد عليه:
“اذا تددقق في المخطط والمقاطع ستجد انك عند فضاء الدخول في الركن اما تتوجه الى الامام خلال محور بلازا الطلاب التي تمر من تحت المباني القديمة لتربطك بالكافتريا والسلالم الى قاعات الرسم اليدوي والفنون في المباني القديمة …او تلتفت الى اليسار … عندها ستواجه مدخل سلم الدخول الرئيسي الذي يتسلق الى البلازا في الطابق الاول التي يواجهها المدخل الرئيسي للفعاليات الدراسية من مراسم على طابقين (نموذج هارفارد) ويرتبط بمحور لحركة الاساتذة وغرفهم على الممر الطائر الذي يربط الجهة اليمنى من المباني القديمة وممر حركة الطلاب على اليسار.
اذا لم تصعد السلم المفتوح في الطابق الارضي ستلاحظ على يساره مدخل ادارة القسم على يسار القاعة الكبرى وعلى يمينه مدخل يؤدي الى القاعة الرئيسية في الوسط وقاعات سيمنار على يمينها وبعدها المكتبة في اخر الممر في الطابق الارضي.
الاعمدة في الواجهة رفعت كتلة المراسم فوق كتلة القاعة وبينهما بلازا مزروعة ومظللة امام المدخل في الطابق الاول تطل على ساحة المركز الطلابي في وسط الجامعة من بين صف الاعمدة…. فقط غمض عيونك وتخيل انك تتجول في هذه الفضاءات الممتعة …” (انتهى الحوار بين وسام ومعن).

وقبل ان اختم الجزء الاول من هذا المقال جائتني بعض الصور من وسام حيث قام احد رساميه في المكتب باعادة رسم مشروع تخرج وسام بحيث يتم توضيح اكثر لفكرته التي اتعبتنا جميعا. فرغم انها فكرة مبدعة وحينها كانت ايضا فكرة لا تستطيع ان تتجاهلها ابدا فهي تستحق الكثير من التعمق في دراستها لاحتوائها على افكار غير اعتيادية وخاصة في طريقة اخراجها الكلي الموحد حيث انها نتيجة تراكم حلول وظيفية عديدة ومحاولة الوصول الى انجح طريقة لاستغلال موقع المبنى ووظيفته التعليمية. وقد نقد الكثير من زملائه تصميم قسم العمارة للطالب وسام ياسين بحجة انه يحتاج الى دراسة الناحية الجمالية والشكلية مرة اخرى، وخاصة هيئة الكتلة الكبيرة التي تقع فوق اعمدة المدخل، وهنا ربما من المفيد ان يقال بان المباني التعليمية هي مبان وظيفية لا يتم المبالغة في دراسة الناحية الجمالية لها كما هو الحال في المراكز الفنية والثقافية او المتاحف وقاعات الفن والموسيقى فلها ارتباط قوي مع الفن نفسه. وهناك مجموعة اخرى ايضا قامت بنقد فكرة الاعمدة الكثيرة في واجهة المبنى وخاصة كان السؤال المثير هو لماذا استعمالها في هذا البذخ الكبير؟ اعتقد بان هذا الحل هو احد الحلول الناجحة جدا للمباني التي تقع على زاوية مهمة مثل موقع القسم المعماري المقترح. وهو ليس فقط حل مكاني بصري ولكنه ايضا قد اعطى هوية المبنى باكمله من خلال هذه الصفوف المنتظمة (رواق) من الاعمدة التي اعطت له هوية “عمارة المدارس” التي اعتدنا على اعمدتها الكثيرة في المراحل الدراسية التي سبقت دخولنا الجامعة. من خلال هذه الشبكة الانشائية تمكن وسام ليس فقط من رفع الكتلة الافقية الرئيسية فوق المدخل الرئيسي فقط، ولكن رفع من قيمة المبنى ايضا لتفرده من جهة بهذا التصميم ولانفتاحه على المكان الواسع الكبير امامه. لقد نقلنا من عمارة الجدران الصلدة الى عمارة الاعمدة الرشيقة.

والان لابدأ بالمشروع الثاني لمهندسنا المبدع وسام الشيخ عيسى وقد اتفقت معه ان يكون موضوعه الاسكان وله علاقة بمدينة الموصل العزيزة.
وقبل ان ادخل في تفاصيل تصميم هذا المشروع السكني لابد ان ابدأ بحكاية هذا المشروع حيث بدأت (بمسابقة معمارية) لاسكان قليل او واطيء الكلفة بعد سقوط بغداد عام 2003م ومجيء الحاكم الاميركي السفير بريمر الى ادارة العراق المحتل حيث اجريت هذه المسابقة المعمارية من اجل البدء بتنفيذ مشاريع سكنية نمطية في جميع محافظات العراق، وطبعا مع التنويع في اظهار المشروع معماريا بحيث يكون مناسبا للمدينة والمكان الذي سينفذ فيه. المنافسة على مشاريع الاسكان واطيء الكلفة كانت بصيغة عروض متكاملة تصميم مع سعر تنفيذ بحيث ان العرض يتكون من استشاري ومقاول وتم اختيار مشروع مكتب وسام عيسى الشيخ من بين المتنافسين.  

يبدأ وسام الكلام عن هذا المشروع بهذه العبارات:
” العراقيون يفضلون البيوت ويكرهون الشقق. كل عراقي يفضل بيت مستقل وهذا انطباعي عنهم. نحن شعب لا يحب الممرات المغلقة في العمارات السكنية النمطية. لدينا خصوصيتنا الشرقية التي تحب ان يكون لها مكان خاص ومحافظ في هويته نوعما بحيث لا يقف احد ومعه الاخرون امام باب بيتك بحجة انه مكان عام. نحن الشرقيون لم يأخذ مصطلح “الشقة السكنية” نصيبه من التداول والتطور والتهذيب بحث يصبح مؤهلا لاستقبال العوائل الشرقية المحافظة. اكثر بيوتنا القديمة في المدن والبلدات لها سياجات عالية جدا وكانها قلاع لا يمكن الوصول اليها ابدا. لدينا تاريخ طويل من التوجه نحو الداخل اكثر من الخارج. الداخل عندنا يجب ان يكون مصمما بحيث يناسب الشخصية الشرقية. جميع التحديثات التي صارت في موضوع الاسكان الحديث جاءت من الغرب. الغرب لهم تاريخ اخر مع عمارة الاسكان. المدن الغربية صغيرة في مساحتها ومدننا واسعة المساحة. نحن نتوسع افقيا اكثر مما نتوسع عموديا. حياتنا الشرقية وخصوصيتها هي التي تحدد هوية الاسكان المعماري. اكثر المعماريين الذين يصممون مساكن عمودية يعيشون في بيوت افقية. هناك نقطة مهمة اخرى وهي اننا شعب لا يستطيع مشاركة الاخرين في فضاء عمومي ياتي الى مدخل مسكنه. عندنا حدود المسكن مقدسة كثيرا. لا يدخل مساكننا الا من كان قريبا او اهلا للبيت. هكذا تعودنا منذ صغرنا، ورغم ان البيوت كانت في الغالب المملكة الشخصية للفرد الشرقي حيث يعتز بمسكنه كثيرا ويبحث عن شخصيته فيه. لا يحب الشرقي ان يشاركه احدا في تحديد ملامح مسكنه. لدينا في الشرق لم ينجح الاسكان العمودي كما نجح في الغرب وذلك بسبب اختلاف الرؤيا الاجتماعية لمفهوم السكن بين الانسان الغربي والشرقي.”

في المشروع الذي قدمه المعماري وسام ياسين في عام 2003م الى لجنة الاسكان في العراق حينها وضع وسام مفهومه للسكن امامه وقام بخلق نظام مستديم للسكن الواطيء من خلال تنظيم في كل طابق سكني (ثلاثة طوابق) ثلاثة وحدات سكنية منفصلة بصريا وكتليا (جسميا) عن بعضها من خلال ربطها بدرج مركزي وثلاثة ممرات افقية تربط هذه الوحدات منفصلة مع الدرج الرئيسي والمنطقة المحيطة. ساكنوا كل وحدة هندسية لا يتقاطعوا في حركتهم مع البعض الا في الدرج الرئيسي وبعدها كل واحد منهم يذهب الى وحدته السكنية بممر خاص له. هذا الحل هو بمثابة مفتاح نجاح هذا المشروع لملائمته الظروف المحافظة للعائلة العراقية. لقد وضع وسام غرفة المعيشة والمطبخ في مقدمة الوحدة السكنية اما غرف النوم فقد وضعها في مؤخرة الوحدة السكنية لخصوصيتها وللهدوء التي تحتاجه.

اقد اختار المصمم هنا حرف ال T كتشكيل معماري لثلاثة وحدات سكنية كل وحدة في احد اجنحة الحرف مما جعل لها حرية الاستمتاع اولا بخصوصيتها الشرقية وثانيا لاعطاء كفاءة كبيرة للغرف جميعها بارتباطها بالمحيط حولها، اي ان لجميع الغرف نوافذ وفتحات الى الخارج لا تتقاطع مع الوحدات نفسها في نفس الطابق السكني. فهي من جهة مرتبطة مع بعضها في الدرج الرئيسي ولكنها مستقلة في خصوصيتها. وتشكل مع الوحدات السكنية الاخرى فناءات خضراء داخلية واسعة بمثابة الاماكن الهادئة الامنة للاطفال الصغار. اما للنساء وخاصة بعد ان يذهب ازواجهن الى العمل فان الممرات هي الفسحة المناسبة للدرشة فعرضها يصل الى المترين. وكل طابق اصبح بمثابة حارة صغيرة جدا تتكون من ثلاثة منازل، وهي طريقة اجتماعية مثالية للعوائل التي تريد ان تتشارك مع بعضها في نفس الطابق السكني.

لقد فصل المصمم حركة المشاة الامنة عن حركة السيارات الذي جعل لها مواقف مخصصة في الشارع المحاذي للوحدات السكنية وقد قام بالتفكير في وضع شبكة للمشاة لجميع مستخدمي الحي وخاصة الطلبة والنساء فالمدارس جميعها وخدمات الحي ترتبط بهذه الشبكة التي لا تتقاطع مع حركة السيارات الا في نقاط قليلة جدا. ورغم ان هذه الشبكة تحتاج الى دراسة اكثر تفصيلية لتكون هي الرائدة في التصميم وليست السيارة كما هو الحال الان. بالامكان في هذه الحالة وضع موقف خاص لكل سيارات القاطع الواحد بحيث تكون خلف المساكن ورفع درجة واهمية المشاة في الحي من خلال جعل الاولوية في تصميم الحي للمشاة.
التصميم بحد ذاته هو حل جيد لمشاكل السكن في الوطن حيث ترتفع فيه الان الابراج العالية المتشابهة التي ليست هي الا اعادة تصميم العمارت السكنية وكما كانت في ستينات القرن الماضي وهي حلول معمارية للبيئة الغربية ربما تحتاج الى اعادة النظر فيها قليلا كي لا يتم انشاء مستوطنات سكنية عالية الكثافة في مساحة صغيرة جدا ستنشأ حتما في المستقبل مشاكل ليست فقط تقنية ولكن اجتماعية ايضا.

ان الحل الذي قدمة المعماري وسام ياسين يشمل دمج الاسكان العمودي الغربي مع الاسكان الافقي الشرقي في نموذج اساسي يمكن استنباط منه نماذج كثيرة لكل مدينة او بلدة. المهم في هذا التصميم المعماري هو الافكار التي انطلق منها تصميمه وليس شكله او حله المعماري. والتصميم المقدم هو حي متكامل لحدود 216 وحدة سكنية بغرفتي نوم و 288 وحدة سكنية بثلاثة غرف نوم. اضافة الى المدارس المختلفة والاسواق والجامع.  

لم يبق هذا التصميم فقط على الورق كما هو الحال عادة عند المصممين، فقد نفذ هذه التصاميم من قبل وزارة الاسكان العراقية ومن خلال شركاتها في مدن عراقية عديدة بعد ان قاموا باجراء تغييرات بائسة وحسب قول وسام، ورغم ان لهم الحرية في التصرف في التصميم وتكراره في مواقع اخرى الا ان المحافظة على روحه هو اهم شيء في التصميم المعماري. في تجربة الموصل فان التصميم قد نفذ وتم اجراء تغييرات على الواجهات لخصوصية المكان ومتطلبات المستثمر والمدينة. التصميم نفذ في حي الحدباء ورغم تاكيد المصمم على فصل حركة المشاة عن السيرات الا انهم قاموا بتوجيه المبنى وتدويره بدرجة 90 درجة بحيث فقد الكثير من معانيه الفكرية والمعمارية.
وقد نفذ التصميم ايضا في مدن كربلاء والنجف ولكن لا يمتلك وسام الان صورا عن المشروع بعد تنفيذه.

من المزايا الجيدة لمثل هذه “التصاميم النمطية” الاسكانية بانه يتم تكرارها في مواقع واماكن مختلفة ويمكن دائما من اجراء التغييرات فيها كي تناسب جغرافية وتاريخ المكان وان المحافظة على الوحدة الاساسية للتصميم المعماري على شكل حرف T وترتيب جميع الوحدات السكنية حول درج مركزي يسهل تطوير التصميم كثيرا بعد ان يتم تشغيله من قبل الساكنين.
لقد تعودنا في تصاميمنا الاسكانية ولغاية اليوم وخاصة في مسألة تخطيط احياء جديدة على استعمال النظام الهندسي الصارم دائما في توزيع الوحدات والقواطع والعمارات السكنية. من المفضل التنويع دوما في مسالة تكوين الحي السكني من عدة انواع ونماذج من التصاميم السكنية كي لا تتكرر ظاهرة المدن الاشتراكية في شرق اوروبا، حيث تبدو اليوم تلك الاحياء السكنية التي بنيت في الفترة الشيوعية متماثلة جدا في كل مدينة ودولة، وهذا هو الخطر الكبير من قيام الدولة والمستثمرين باستغلال حاجة الوطن الى اعداد هائلة من الوحدات السكنية من دون الاعتناء في مسالة تخطيط احياء بطريقة لائقة بموضوع الاسكان المهم وكذلك للاستفادة من التجارب السابقة سواء الخاطئة ام الصحيحة.
لقد اثبتت لنا الدراسات الحديثة بان الاهتمام النوعي في عمارة ومحيط الانسان تؤثر ايجابيا في نوعية انتاجاته الانسانية جميعها سواء منها الفكرية او اخرى التي لها علاقة باعمال الحياة الاخرى. ان تطوير بيئة سكنية جيدة وعلى اسس صحيحة لها نتائجها الكثيرة الجيدة على مى اجيال كثيرة.

اليوم المعماري وسام الشيخ يدير مكتبا معماريا في دبي منذ قرابة العقدين من الزمن وله فرع اخر في ابوظبي وقد صمم مكتبه العديد من المشاريع وفي مدن كثيرة وهو من المكاتب المحلية في دبي وعليه ان ينافس المكاتب الكبيرة العملاقة العالمية في العمارة. وليست المنافسة سهلة طبعا مع المكاتب اليابانية والاوروبية والاميركية في هذه الايام وخاصة ان الاسواق المالية والاقتصادية تشهد صفعة من قبل وباء كورونا. وسام متفائل جدا من ان الافكار الجيدة لها اسواقها دائما. وكم هو مفرح ان يكون احد طلبة قسم العمارة في جامعة الموصل في الثمانينات من القرن الماضي اليوم مهندسا معماريا ناجحا له اكثر من 28 سنة خبرة في سوق العمارة وله زبائنه الدائميين. ومن اجمل الامور ان يعمل معه ايضا مجموعة من اصدقائه وزملائه اثناء الدراسة ومنهم المعماري رافع عبد الوهاب (مدير المشاريع) والمعماري اسيل عبدالله (مدير مكتب ابوظبي) فهذا دليل كبير على نجاح “المدرسة المعمارية الموصلية” في غزو الاسواق الخليجية والمشاركة في البناء وهذه رسالة المعماري الاولى. اما الخط المعماري الجديد الذي فتحه وقبل سنين فهو خط افريقيا المعماري حيث صمم للكثير من المستثمرين مشاريع كبيرة على شكل منتجعات وابراج للسكن والفنادق.

والامر المفرح بسيرة زميلنا المعماري وسام ياسين انه لا يمتلك فقط مكتبا معماريا ولكن قام بتوثيق جميع اعمال المكتب العديدة في موقع شركته (الملحق) وباسلوب لطيف ايضا مختصر ربما يحتاج بعض الاحيان الى كتابة حكاية قصيرة مع كل مشروع وعلى الاقل معماريا. ورغم ان اكثر من 80% من اعمال جميع المكاتب المعمارية هي اعمال روتيتنة وليس لها دوافع فكرية فلسفية معقدة، الا ان الموقع نفسه يجعلني اقف مندهشا من تنوع التصاميم ونسبة المشاريع المنفذة منها فهذا لا يعني فقط النجاح المهني لزميلنا وسام مع مهندسي مكتبه، ولكن ايضا قدرته على التواصل مع الحياة من خلال العمارة.


اثناء بداية الكتابة عن تاريخ وتوثيق قسمنا المعماري في جامعة الموصل، كان هدفي ايضا توثيق الحياة المهنية لزملائي في القسم وخاصة خريجي العقد الاول منه والذي اطلقنا عليه اسم “العقد البولوني”. لم يكن سهلا ابدا من الوصول الى هذا الهدف لقلة مكاتب الزملاء الموثقة شخصيا والتي تحمل بصمتهم المعمارية والتي هي استمرارا لدراستهم العمارة في الموصل. والان اصبح لدنا نموذجا لمكاب معماري متكامل لاحد طلبة القسم المعماري لجامعة الموصل.

البيئة المعمارية الجديدة التي يتعامل معها المصمم وسام ياسين تختلف كثيرا عن بيئتنا الشرقية في الوطن، مدينة دبي هي مدينة عالمية حديثة وقد نشطت العمارة والحياة فيها اسلوب مغاير لجميع مدن العالم. انها ليست فقط مدينة خليجية وشرقية ولكنها من المراكز التجارية والاقتصادية العالمية الكبيرة التي انشأت في الشرق وكثيرا ما تسمى بنييورك الشرق من خلال اهميتها الاستراتيجية الكبيرة للكثير من الشركات العالمية. وزيارة واحدة الى دبي والامارات العربية سيجد الفرد الفارق الكبير بين مدننا التقليدية ومدينة دبي العصرية الحديثة. وظهرت في دبي مشاريع معمارية عالمية الطراز ليس فقط في شكلها المعماري ولكن ايضا في اهميتها الاقتصادية والمالية للامارة ومواطنيها. وفي هذه المدينة التي تعتبر اليوم قبلة الشركات العالمية ارتفع في سمائها ابراج عالية جدا منها سكنية واخرى تجارية وثالثة فندقية، ولكن دبي توسعت عموديا عكس جميع المدن العربية التقليدية وحاليا ليس بالامكان وصف دبي بانها مدينة عربية كما هي فاس في المغرب، ولكنها شاهدة لدور الاقتصاد الخليجي في تطور العمارة ودور المكاتب المعمارية العالمية (غير الخليجية) وشركات البناء الكبيرة في رسم صورة المدينة المعاصرة الحديثة. وفي هذه الاجواء كان على المصمم وسام الشيخ ان يصيد مشاريعه المعمارية في بحر هائج تتنافس عليه الشركات العظمى على صيد جميع الاسماك المعمارية الكبيرة ولكنه حقا اجتاز مكتبه فترة الاستقرار وبامكانه ومن خلال قاربه المعماري ليس فقط الصيد ولكن التامل في الحياة الان بعد ان غزت التكنلوجيا الرقمية حرفة العمارة واصبح من الصعب اليوم الحصول على افكار معمارية هندسية مدروسة على تقاليد التصميم الاساسية التي تعلمناها سوية في قسم العمارة في الموصل.    

وعندما سالته ماذا تفعل باوقاتك خارج نطاق العمل؟ فجوابه كان البحر والصيد والقارب فهذه هي هوايته الاولى التي تجعله يفرغ راسه قليلا من الافكار المعمارية التصميمة التي لا تفارقه ابدا.
من الصعب جدا اختصار سيرة المعماري وسام الشيخ في مقال متواضع مثل هذا وخاصة لكثرة وتنوع اعماله المعمارية ولكن نظرة الى موقع مكتبه والاطلاع على ملف اعماله سيكونل ك عزيزي القاريء اطلاع اشمل على تلك الاعمال والتي تستحق ايضا الكتابة عنها وربما اذا سمح لي الوقت لاحقا سيكون الرجوع اليها وتحليلها وعرضها بشكل مشوق افضل من تخصيص المقال باكمله الى مشروعين له فقط. ولكن هكذا بدأت الفكرة منذ البداية ولكن ساخصص مساحة اضافية الى هذه الاعمال في الفيلم الذي يرافق المقال. لقد اسمتعت جدا حقا بكتابة هذا المقال وخاصة اللقاء مع المعماري الاخ وسام ياسين والتحدث معه كان بالنسبة لي العثور على كنز هندسي معماري من كنوز قسمنا المعماري في جامعة الموصل واني متاكد بانه هناك طاقات كبيرة اخرى يحتاج ان نكتشفها معا كي يكون بامكاننا رسم ملامح عقدنا حتى بعد التخرج وهي بصراحة اهم نقطة في توثيق مسيرة القسم. والف شكر للاخ المعماري وسام الشيخ لهذا التعاون الكبير فقد فتحنا صفحة ناصعة لا بل فصلا كبيرا من فصول قسم العمارة لجامعة الموصل.

اعزائي طلبة قسم العمارة لجامعة الموصل (سابقا).

اتمنى ان يكون هذا المقال حول حكاية المعماري وسام الشيخ بداية لمرحلة جديدة في توثيق قسم العمارة لجامعة الموصل. اتمنى من زملائي واصدقائي ان يشاركونا ايضا بقصة حياتهم المهنية كما فعل معنا المعماري وسام الشيخ فحكاية كل منا هي مهمة مهما كانت احداثها. كل منا وبعد التخرج من القسم في الثمانينات قد ابحرت سفينته في اتجاه اخر، في بحر هائج امواجه حفرت فينا غضبها ولغاية اليوم لا ندري اين تتجه سفينتنا واين ستبحر بنا المياه وفي اي ميناء سترسي بنا. الجميع قد رست مراكبه في موانيء لم يقصدها والاخرون ظلت قابعة في ميناء الوطن الذي تحطمت مرافأه، فكل ميناء في بلدي هو بيروت بحد ذاته.

مرة اخرى ساظل انتظر منكم تلك الحكايات التي اصر البعض منا ان لا يحكيها لنا لانها مؤلمة حقا، حكايات من الحزن والياس والتعب والظلم والتشريد والتهجير والتقليم والتصعيد والتحطيم والتهديد والتكفير والتصغير والتذليل والتنكيد والتهميش والترحيل وكل منا اصبح له حكاية منها لا يستطيع ان يخرج من دائرة هذا الالم. ومن قال باننا نعيش هذه الحياة من اجل السعادة فهو مخطيء جدا، فالحياة نفسها ليس هدفها السعادة ابدا، لان السعادة نفسها ليست مرادفة للحياة. لقد كشف وباء كورونا اخيرا هشاشة النظام الانساني وحتى العالمي منه وكيف ان “الطبيعة الام” هي اقوى بكثير من الانسان واحلامه وامواله ومراكبه وقصوره والذي توقع بان بامكانه تذليلها من اجل خدمته فقد توهم فقد اصبح اليوم اسير اصغر جزء فيها.

ولكن ومهما كانت حكاياتنا محزنة ومؤلمة وقاسية فيجب ان تحكى ايضا للاجيال القادمة كي تتعلم ايضا من دورس الحياة التي مرت بنا.


انا انتظر حكاياتكم بكل شوق، ولنتأمل بان لا تكون حكاية الاخ المعماري وسام الشيخ من اخر الحكايات، فهل يعقل بان عدد الذين تخرجوا من ذلك العقد المعماري الذهبي قد تجاوز المائة طالب، ولغاية اليوم وبعد كل هذه الشهور لم يصل لنا منها الا ما ندر؟ لقد حكيت لكم روايات اكثر الاساتذة وقد كانت لنا سفرا معماريا متكاملا، ولكن لا يكتمل كتاب قسم العمارة لجامعة الموصل الا بتوثيق سفر طلبته ايضا. فلا توجد مدرسة من دون طلاب.

الى اللقاء في حكاية اخرى من حكايات طلبة قسم العمارة لجامعة الموصل.

ارشيف الصور:
المجموعة الاولى تخص مشروع التخرج لعام 1990م
المجموعة الثانية تخض مشروع الاسكان الواطيء الكلفة في العراق 2003م
المجموعة الثالثة هي من اعماله من ضمن مكتبه المعماري
المجموعة الاخيرة هي من صوره الشخصية

الملحقات:

رابط الفيلم في قناة اليوتوب
https://www.youtube.com/watch?v=wcqobbOWBJo
رابط موقع مكتب المصمم وسام ياسين وشركاءه

Sand dune 1998 by M A Felton
Sand dune 1998 by M A Felton
Sand dune 1998 by M A Felton
Sand dune 1998 by M A Felton

نُشِرت في مقالات, من طلبة العمارة | الوسوم: , , | أضف تعليق

المعماري البروفيسور د. باج Zbigniew’s Bać وعمارة ابراج العودة في الموصل

المعماري البروفيسور د. باج Zbigniew’s Bać وعمارة ابراج العودة في الموصل
عماد رمو
Emad Rammo  / هولندا تشرين الاول

في الموضوع الاخير الذي نشرته حول مسكن البروفيسور باج Zbigniew’s Bać في مدينة فورسلاف البولونية استكشفنا الحياة الزاهدة التي يعيشها رجل علم مشهور وهب نفسه للعمارة لاكثر من 7 عقود متتالية ولغاية اليوم ورغم انه ناهز التسعين من عمره (اطال الله في عمره) الا ان نشاطه العلمي ما يزال ينساب كل يوم مثل ذلك النهر الذي ينابيعه في اعالي الجبال ترويها الثلوج البيضاء. انه شخصية معمارية اسطورية حقا فيما يتعلق علاقتنا به نحن طلبة قسم العمارة في دوراتها الاولى حيث لم يكن هو المؤسس الكبير للقسم، ولكن ظل يديره لسنوات عديدة دون ان يكون رئيسا له.
اليوم وبعد اربعة عقود بدأنا نتعرف على بعض مزايا هذه الشخصية الاسطورية وعلاقتها معنا، ولكن الذي لم نكن نعرفه عنه هو حبه وعلاقته بمدينة الموصل فهو لغاية اليوم مرتبطا بها فكريا وتجده قد ذكر سيرتها لها في جميع الكتب التي الفها.
اليوم سنكتشف كيف ظلت هذه المدينة التاريخية ولغاية اليوم، ورغم بعده عنها الاف من الكيلومترات، قريبة منه بحيث خصص لها احد مشاريعه من اجل تصميم معماري لمسابقة عالمية بخصوص تصميم وحدات سكنية لتوطين من عاد الى الموصل وبعد ان انتهت حرب التحرير وهدمت هكتارات عديدة من المدينة، ساسمي هذا المشروع بعمارة العودة.

قبل ان اتعمق في هذا الموضوع لا بد ان اوضح نقطة مهمة جدا وهي اني احاول ان اطرح هذا الموضوع بصورة معمارية-ثقافية وليس سياسية، فاننا نعلم بان هناك الكثير من الوعود من المنظمات العالمية الخارجية والدول المانحة ربما وكذلك وعود من جهات سياسية اخرى لم تنفذ على ارض الواقع بل اصبحت مثل احلام النهار تنتهي بمجرد ان يستيقظ الفرد منها. ولكن هذا المشروع هو نتاج مسابقة معمارية طرحتها احدى منصات Platform العمارة وهي Archstorming.
السبب الرئيسي الذي جعلني ان اكتب حول هذا الموضوع مقال خاص به، ليس التجارة بموضوع اعمار الموصل والتي لم يتحقق منه الا القليل، ولكن هناك نقاط جوهرية معمارية في فلسفة هذا التصميم من العمارة والتي هي مكملة لفلسفة البروفيسور د. باج Zbigniew’s Bać في موضوع الهابيتات وكذلك لموضوع معماري فلسفي لم يتم التطرق عليه لغاية اليوم، حيث بالنسبة لنا تمثل المخميات عمارة اللاجئين هي فقط.
لغاية الان اكتب مقالات اكثرها توثيق لمشاريع دراسية لطلبة قسمنا الرائع في الموصل، واكتب حول الاساتذة والطلبة، ولكن اليوم ساختار مشروعا معماريا سكنيا كبيرا قام بتصميمه والاشراف عليه البروفيسور د. باج والذي هو من اجل الموصل وموقعه في الاماكن التي تضررت بالحرب الاخيرة.
انه حقا بالنسبة لي موضوع شيق ان يكون لي مصدر معماري حديث يعرفني بقدرة البروفيسور باج العالية في انشاء عمارة العودة من خلال مسابقة معمارية عالمية لم يتركها ان تمر من امامه دون ان يشارك فيها.
وهذا ما يجعلني ان استنتج بان علاقة باج بمدينة الموصل لم تكن فقط علاقة عمل سطحية هدفها قضاء بعض السنوات فيها من اجل التدريس، ولم تكن علاقة سياحية قصيرة وكما كنا نتوقع نحن الطلبة حيث رجوع الاستاذ البولوني الى بلده بعد انتهاء عقد كنا نتوقع بان ارتباطه قد انتهى. يبدو من تواصل اهتمامات البروفيسور باج بمدينة الموصل ولغاية اليوم ان هذه المدينة التاريخية تعني الكثير له ويبدو انها قد تركت فيه اثرا طيبا، لا بل يعتبرها مدينته ايضا. وفي جميع اللقاءات التي اجرتها معه الباحثة البولونية د. دوروتا يؤكد بانه سيكون للموصل شأن كبير لتجربته الغنية بالتعرف على ابنائها واصالتهم ومعرفتهم الكبيرة في مختلف شؤون الحياة والعلم. وربما هذا نتيجة التاثير المتبادل بين الانسان والمدن التي عاش فيها او عمل فيها. بالنسبة للبروفيسور باج فهو من جيل المباديء والعقائد والانسان الاشتراكي الذي اثر فيه كثيرا بسبب نشأته في تلك البيئة التي كانت نتاج حرب عالمية مدمرة فهو يعرف جيدا ماذا يعني اللجوء بعد الحرب واعادة التوطين وبناء المدن المدمرة فمدينته فورتسلاف هي من المدن البولونية التي تم تدميرها من قبل النازية الالمانية واعادة بنائها في الفترة الشيوعية من القرن الماضي. واعتقد بان البروفيسور باج لا ينظر الى العمارة اليوم كناتج فني-هندسي تشكيلي وظيفي فقط، ولكنها بالنسبة له ايجاد حل لمشاكل اجتماعية في حياة الانسان. واختياره موضع الاسكان وتخصصه فيه وتعمقه في فلسفته وتاليفه الكتب الكثيرة حوله وقيادته لحركة الهابيتات الفلسفية ومسيرته الاكاديمية المهنية الطويلة كاستاذ كبير للعمارة في جامعات كثيرة وجامعات عديدة، ولكن ايضا في مدن كثيرة جعلت منه شخصية عالمية اكثر من استاذ اكاديمي محاضر في جامعات مختلفة. ومن خلال هذه البحوث القصيرة عن اساتذة قسمنا المعماري الرائع في الموصل نبغ من الكادر البولوني شخصيتان وصلتا الى مستوى العالمية وهما: البروفيسور د. باج والبروفيسور د. جورج حيث كلاهما يقودان حركات معمارية فلسفية ويمثلان بلدهما في مؤتمرات معمارية عالمية حيث باج في موضوع الاسكان وجورج في موضوع العمارة المستديمة.

ونحن صغار كنا نسمع بموضوع الاستطيان من خلال المشكلة الفلسطينية، ولكن كنا نتناولها من الناحية السياسية-الوطنية فقط وليس من الناحية المعمارية، وخلال دراستنا الاكاديمية في جامعة الموصل لم يخصص لنا حينها عن مشروع سكني لعمارة العودة والاستطيان رغم اهميته حينها في حياتنا، ولم نكن نعرف باننا جميعا سيكون لنا في واقعنا الشخصي الحياتي علاقة وثيقة مع عمارة الاستيطان والعودة والهجرة واللجوء سواء بصورة مباشرة او غير مباشرة. لقد درسنا فقط عمارة السكن في ايام السلم رغم ان الحرب كانت طاحنة في الثمانينات، ورغم حاجة الجيش العراقي حينها الى وحدات سكنية متنقلة الا انه لم يكن للجيش في الواقع الا الخيم العسكرية كوحدات سكنية وفي حالات خاصة كان لامر الوحدة الكبير مقر مؤقت يبنى بصورة اولية ويحاط بتلال وسواتر من الرمل لحمايته من قنابل العدو. والكثير من الربايا الدائمية كانت قد طورت الى وحدات سكنية اكثر تطورا من الخيم حيث الربية العسكرية هي بحد ذاتها وحدة سكنية لمجموعة من الجنود يتقاسمون الحياة العسكرية لفترة طويلة. اكثر اشكال الربايا العسكرية كان يناسب موقعها الجغرافي-العسكري واتجاه العدو ايضا. للربايا سور حولها وامامها سواتر بمسافات مختلفة وداخل السور وفي المنطقة المركزية كانت الوحدة السكنية المخصصة للسكن والنوم مستوى ارضيتها اقل بكثر من مستوى ارضية الربية حيث كان ينزل اليها بعدة درجات وسقفها مستواها اقل من مستوى سور الربية ليحميه من نار العدو. ولكي لا ننسى تاريخنا فان الكثير من اصدقائنا المجندين عاشوا وسكنوا في هذا النوع من الوحدات السكنية لطيلة فترة الحرب العراقية-الايرانية والتي استمرت بحدود عقد كامل.

بدأت اشعر الان بقرب هذا الموضوع منا جميعا بعد حرب الاحتلال الاميريكية عام 2003م حيث جعل هذا الاحتلال الغيرقانوي اكثر من نصف ابناء الشعب يغيرون مساكنهم ويلجأون الى مدن غريبة عنهم واحيانا الى دول غريبة ايضا، وفي اكثر الحالات كان الانسان العادي يقضي اشهر عديدة في وحدات سكنية لم يتعود عليها. حتى قبل هذه الفترة وخلال فترة الحرب (الخليج الثانية) كيف فرغت العاصمة بغداد من ملايين من ساكنيها ولعدة اشهر حيث بدأت حرب درع الصحراء من 7 اوغسطس 1990 ولغاية 17 كانون الثاني من عام 1991. وبعدها مباشرة بدأت عملية عاصفة الصحراء من 17 كانون الثاني 1991  ولغاية 28 شباط لعام 1991م. واتذكر بلدتي القوش حينها، والتي لم تكن تسع في الظروف العادية الى اكثر من 5000 نسمة، ولاول مرة في تاريخها تستقبل اللاجئين من بغداد والمدن الاخرى حيث تجاوز حينها عدد سكانيها ال 25000 نسمة بحيث تضاعف بحدود خمسة مرات في ظروف الشتاء الصعبة حيث الجميع بدون عمل او مدارس وصعوبة الحصول على المياه النقية للشرب الى ان اتجه الناس الى العيون والابار القديمة وكذلك النهير الصغير بندويا غرب القوش حيث كنا نجلب منه المياه لاغراض الشرب والطبخ، اما للاستعمالات الاخرى فقد تم استغلال مياه الامطار لذلك. والذي عاش تلك الايام سيتذكرها بجميع تفاصيلها لانها حقا لا تنسى ابدا، فقد اصبح العراقي في مرة واحدة لاجيء في موطنه ينتظر العودة بعد انتهاء عمليات الحرب التقليدية حينها. وفعلا وبعد انتاهاء الحرب والعمليات العسكرية الجوية رجع الجميع الى منازلهم في بغداد والمدن الاخرى وكانت جميعها امنة وسالمة من دون ان يمسها شيء وربما هذا يدعو الى استنتاجات اجتماعية كثيرة عندما كان الانسان العراقي لا يزال يحمل الكثير من القيم الانسانية العالية.  


ومن حسن الحظ اني كنت في تلك الفترة متنقلا بين بغداد حيث العمل والقوش حيث عائلتي كانت في (اقامة مؤقتة) عند اهلي لغاية انتهاء العمليات العسكرية للقوات المتحالفة ضد العراق. المشهد في بغداد كان مؤلما جدا حيث بدأت القوات المتحالفة بقصف الجسور ومحطات الكهرباء ومنشأت النفط الاستراتيجية والكثير من المنشات غير العسكرية من اجل شل حركة الناس والعمل وتحطيم البنية التحتية الاقتصادية للوطن، وهذا ما يدينه القانون الدولي بسبب ان هذه الجسور ومحطات الكهرباء لم تكن مواقع عسكرية ابدا. مدينة بغداد عاشت اياما لا تنسى لكل من بقى فيها تلك الفترة، حيث في النهار كان بامكان الناس ومن تبقى منهم لاغراضهم الخاصة من التنقل وبصورة محدودة لعدم وجود البنزين وحتى المياه اصبحت محدودة وتعطلت اكثر محطات المجاري بحيث اصبحت الحالة الصحية للمدينة خطرة جدا.  لقد اصبح العراقي لاجئا في وطنه وتبعثر ابناء المدن ولجأ الكثير منهم الى القرى والبلدات الامنة حيث نزلوا عند الاقارب او في بنايات المدارس والجوامع والاديرة والكنائس. ولم يكن حلم اي مواطن حينها الا بالعودة الى موطنه (مسكنه) لانه من الصعب جدا على الانسان ان يتعايش في موطن جديد حتى في حالة السلم، فكيف ان حدث ذلك اثناء الحرب؟

اما ما جرى للموصل اثناء احتلال داعش للكثير من المدن والقرى في الوطن هو احتلال على الارض وليس كما قامت به اميركا باحتلال بغداد اولا من الجو. احتلال الموصل ليس حادث تاريخي فقط، انه تهجير جماعي لمئات الاف من سكانها بصورة مفاجئة وبطريقة بربرية. لقد تم احتلال المدينة بسبب اخفاق جماعي لجميع القوى والادارات التي لها علاقة بادارة العراق بعد الاحتلال الامريكي. وما جرى للبلدات الاخرى في سهل نينوى من دمار وهجرة واحتلال وسلب ونهب وقتل وتدمير وسبي للنساء لم يشهده التاريخ الحديث للمنطقة من قبل. ان تلك المشاهد المؤلمة التي بُثتْ حينها غيرت رؤية الناس الى المشهد العراقي الكبير. ولكن لم يتم تحرير مدينة الموصل من الارهاب الداعشي الا بعد ان دفعت المدينة اثمانا غالية باهضة، ليس فقط بتلك الارواح البريئة التي ذهبت ضحية لذلك، ولكن ايضا المدينة والبنية التحتية لها اصابها الدمار الشامل، دمار لم يصب اية مدينة اخرى في العالم بعد الحرب العالمية الثانية. لقد دمرت الموصل مرتين: مرة عند احتلالها وبقائها تحت سيطرة الدولة الاسلامية حيث قتلت وحطمت الاثار والقبور والجوامع والمنارات والكنائس والجامعة والمستشفيات والمساكن ووضعوا المدينة القديمة مركزا لهم مما تم تدميرها كليا مرة ثانية اثناء التحرير. وفقد عشرات الالاف من ابناء المدينة بيوتهم ومساكنهم وظلوا من دون مساكن اضافة الاثار الناجمة عن تدمير كل ما كان يمثل هوية المدينة القديمة وخاصة طرازها المعماري ونسيجها التخطيطي واختفاء الكثير من مشاهدها التاريخية التي عرفت بالموصل بها.

هذه المقدمة الماساوية المؤلة المحزنة عن الحرب والعمارة قمت بسردها بصورة مختصرة جدا لتوضح بعض العوامل التي تؤثر في عمارة ما بعد العودة في مدن دمرتها الحرب.

اما سر اهتمام البروفيسور د. باج Zbigniew’s Bać بهذه العمارة، وفي مدينة مثل الموصل، فاعتقد قد جاء من شدة اهتمامه بطلبته وبذلك القسم الذي عمل فيه في اهم فترة من حياته المهنية الزاهرة. انه يعكس لنا ليس فقط مدى حبه وعشقه لمدينة الموصل واهلها وعمارتها، ولكنها رسالة ضمنية لنا يريد ان يقول فيها: انا معكم دوما وبما تسمح به قدرتي وقابلياتي الذهنية وقد ترجمتها لكم في هذا التصميم امامكم فمنه بامكانكم من قراءة افكاري في السكن والتي دائما كنت وفيا لمبدأ السكن التعاوني الاجمالي الشامل والتعاضدي والذي له هدف عال سامي كبير يخلو من الانبهار والتزوير المعماري والتلفيق التشكيلي، انه تصميم يعتمد على مباديء  قد درستكم بها قبل اربعة عقود ولغاية اليوم احتفظ بتلك المشاريع التي صممت من قبلكم وانتم في قمة نشاطكم التعليمي.
الاسكان هو حل لمعضلة اجتماعية كبيرة في العالم ولديكم بالذات. العمارة السكنية يجب ان تلبي احتياجات جميع مواطني البلد وليس فئة قليلة منه. عمارة الاسكان هدفها اسكان الناس وليس المتاجرة بها وبيع الوحدات السكنية واستغلالها من قبل المستثمرين اصحاب السلطة والتي تركزت بايديهم بعد احتلال بلدكم، هؤلاء يتاجرون بالاسكان وبعمارة الاسكان. المعماري مثلكم يحمل رسالة انسانية مقدسة عليه عدم الرضوخ الى سيطرة المال والراسمال، انها ليست هي التي تقرر سياسة الاسكان ومنهجيتها، المواطن هو الذي يجب ان يتحكم في هذه السياسة ويدعو الاخرين الى عدم مسايرة هذه الافكار الراسمالية المتطرفة جدا، لقد سمعت بمشاريع اسكانية تبنى لديكم من قبل حيتان المال والسياسة والقيادة حيث يقتسمون اراضيكم ويسلبون اموال نفطكم ثم يبيعون لكم شقق سكنية تقنيتها الهندسية واطئة، اثمانها عالية جدا بحيث تفوق احيانا اثمان العقارات في اية مدينة اوروبية اخرى. هؤلاء يسرقونكم مرتين: الاولى عندما يسرقون اموال النفط وهي اموال الشعب، ومرة ثانية عندما يسروقون اراضيكم ويقسموها حسب مزاجهم ويبيعوها لكم باسعار خيالية. انها تبيض اموال مسروقة لا تحدث الا في المجتمعات التي تسيطر عليها المافيات الحزبية والسياسية. عندما كنت عندكم كان لديكم نظام افضل من الان فيما يتعلق باستخدام اموال الشعب والنفط في خدمة البنية التحتية للمجتمع وكانت البنوك العقارية عندكم تمنح القروض باسعار فائدة قليلة لجميع الموظفين بحيث كان بامكان الموظف عندكم بناء بيت على قطعة ارض لا تقل مساحتها عن 300م2 ومن خلال راتبه الوظيفي ذلك كان بامكانه من العيش ودفع اقساط بيته وسيارته وبكل سهولة وكان بامكان جميع ابناءه دخول الجامعة ان حققوا معدلات لها. الدولة كانت تدعم مادة حديد التسليح وتبيعه لكم باسعار معقولة جدا وكذلك الاسمنت حيث كانت معاملكم كافية لانتاجه وكان لديكم ايضا عمالة كبيرة من المصر تقوم باكثر اعمال البناء. لقد كان للدولة شركات هندسية قيمة تقوم بالتخطيط والبناء وكانت الموصل تزدهر وتنشط وبغداد كانت من اجمل عواصم الشرق، حيث الدول الغربية والشرقية كانت تتنافس للحصول على عقد بناء عندكم، الصينيون بنوا لكم الجسور، واليابانيون بنوا لكم المعاهد والمستشفيات، اما الالمان والفرنسيون فقد بنوا لكم المطارات والوحدات السكنية، والروس ودولهم الشرقية بنوا لكم القواعد والمصانع العسكرية، والطليان بنوا لكم السدود وكانت ادارة بلدكم بايدي ابنائكم واليوم تغير كل شيء. انا لست سياسيا ولا اريد ان اتدخل في شؤون بلدكم ولكن ارى اليوم بان بلدكم مثل تلك السفينة التي ليس لها قبطان واحد كبير بل كل من له السطلة الدينية اصبح قبطان لها وبدأت سفينتكم تقذفها الامواج العاتية الى كل صوب في بحر هائج من التدخلات الدولية القذرة من قبل الدول الاجنبية الكثيرة.

وهذه امامكم تصاميم عمارة العودة والاستيطان بعد انتهاء الارهاب في مدينتكم العزيزة الموصل. انظروا اليها جيدا وحاولوا ان تستنجوا العبرة والافكار الفلسفية التي افنيت عمري من اجلها ولم انحني ابدا امام المال والسلطة ابدا وعشت ايامي زاهدا لا ابذر ابدا، فما قمت به اكاديميا وحققته فلسفيا هو الذي سيبقى مني بعد ان اترك هذه الارض لمن بعدي. حاولوا ان تدققوا جيدا كيف وصلنا الى هذا التصميم الذي يمثل حقا عمارة العودة في الموصل. هل بامكانكم ان تتخيلوا من اني وبعد كل هذه العقود اقوم بالاشراف على تصميم انساني وفلسفي ومعماري لابناء المدينة التي رحبت بي وعلمتني ما هو العيش مع تراث ومجتمع اخر وهو انتم. المدينة التي احببتها دائما انها الموصل ليست لكم فقط ولكنها لي ايضا.

التصميم:
وكما تعلموا فاني كبرت كثيرا في العمر، وكلما يكبر الانسان تزداد بساطته وتتوضح افكاره وتقل تعقيدا وتكثر فيها الواقعية ويغيب عنها الاندفاع السريع الى خلق اشكال فضائية اميبية تجريدية مبتذلة جدا في سبيل الوصول الى ما بعد بعد الحداثة في العمارة. انا علمتكم كيف تكون العمارة وظيفية ومن خلالها بامكانكم استنباط الاشكال التي تلائم افكاركم وليس العكس، وكما يحدث اليوم في الكثير من مشاريع طلبة العمارة. انا اتابع بعض هذه المشاريع احيانا وتاخذني الدهشة كثيرا واتوصل الى نتيجة بانه هذه ليست تلك العمارة التي تعلمتها من اساتذتي وعلمتها لكم. العمارة يجب ان لا تنخرط في تحقيق صرعات الحاضر وتقلبات المجتمع وتعقيداته، العمارة ليست كالمودة يتغير شكلها كل فصل. العمارة ليست تصميم قطعة اثاث يمكنها بعد سنين رميها في الزبالة، العمارة ليست لوحة فنية تعلقها اليوم في غرفة الجلوس وغدا في غرفة النوم. العمارة ليست جسرا يمر عليها كل من هب ودب، العمارة لها مناظريها ولم تكن يوما كما هي الان في بلدكم. اسمع اليوم بان هناك اليوم عشرات الاقسام المعمارية واغلبها تجارية الماركة فهي ليست اقسام تاريخية كما عرفت بلدكم حيث كان حينها فقط ثلاثة اقسام واليوم بامكان اي طالب التسجيل في اي قسم يشاء اما في الثمانينات فكان الاوائل فقط يحظون بمقاعد محددة في الجامعات وكانت قليلة جدا. ولحسن حطنا انتم كنتم طلبتي. اين هي تلك العمارة من عمارة اليوم؟

لارجع معكم الى “ابراج العودة” لاستاذنا الفاضل البروفيسور الكبير د. باج Zbigniew’s Bać حيث سنقرأ الكثير من افكاره وفلسفته في تصاميم هذه الابراج. من يقوم بدراسة هذه التصاميم معماريا سيجد فيها الكثير من منهجية باج الاسكانية ونظرته الى الوحدة السكنية والمجمع السكني من منظور “فلسفة الهابيتات” التي تناولتها في مقالات سابقة عنه. ولكن من بامكانه ان يجسد هذه العمارة وفي مدينة منكوبة اسكانيا مثل الموصل غير استاذنا الكريم باج؟  باج يعرف جيدا القيمة التاريخية والمعمارية لكل هكتار في داخل مدينة الموصل، وخاصة في حزامها التاريخي، ولكي اقرب تصور القاريء الى مساحة الهكتار فهي 10000م2 اي يمكن ان يكون مربعا طول ضلعه 100م فقط. لقد حدد القطعة التي سيصمم فيها وهو يدري بانها ستكون بارزة جدا وفي اية منطقة قريبة او ضمن الدائرة التاريخية من مركز الموصل القديم والذي تم تدميره تماما. انه يريد ان يخلق بيئة سكنية متكاملة الى العائدين الى مدينتهم الموصل ولم يروا غير الخرائب في دورهم التي تركوها خوفا من قنابل الاصدقاء والاعداء.
انه امر مهم ان يخصص اولا المربع الذي سيشتغل عليه كي لا ينغلق على فكرة واحدة فقط وفي موقع تحدده المحددات التقليدية المعروفة عند المعماريين ومصممي ابراج السكن. ومن يتجول بين هذه الابراج سيجد بانها تنطلق من قاعدة اعلى من مستوى المدينة وكانها منائر سكنية تحلق في سماء الموصل بعد ان هدمت واسقطت المنائر والابراج الدينية. اختياره لمنصة مشتركة تجمع هذه الابراج في تشكيلات عديدة، فيمكن ان تكون رباعية او خماسية او ثلاثية وحسب حاجة الموقع اليها. اما اختياره للبرج الاسطواني لعمارة ابراج العودة فله في ذلك فوائد انشائية ومناخية ومعمارية كثيرة. الدائرة هي من الاشكال الهندسية القوية جدا ولها تطبيقات كثيرة في العمارة. ان الانطباع التي تتركه هذه الابراج الاسطوانية وتاثيرها على مقطع المدينة من جهة ومن ترابطها في رباعية من الممكن التنويع في ارتفاعها يحقق في ذلك منظومة معمارية متجانسة مع عمارة المدينة القديمة من جهة ويحقق من جهة اخرى نظاما انشائيا حديثا وكفوءً وسريع التنفيذ من خلال استعمال البرج الكونكريتي المركزي حيث يحمل جميع اثقال المبنى وطوابقه التي تنقل اثقالها اسلاك انشائية متينة الى اعلى البرج اولا ومن ثم من خلال كتلة البرج الى المنصة الكونكريتية في قاعدة الموقع وحسب قاعدة الجسور المعلقة. الصور المرفقة تشرح بالتفصيل كيف ان الفكرة الانشائية هي التي تقود العملية المعمارية من الخطوة الاولى للبدء بالتفكير في هذا التصميم.

والتصميم المعماري لهذه الابراج ليس تصميما نمطيا يتكرر فيه كل طابق وبنفس عدد ونوع الوحدات السكنية وكما تعودنا كثيرا في المشاريع السكنية، ان التصميم فيه الكثير من الانسيابية والانفتاح والتنوع واحتمالية تكوين اصناف كثيرة ولجميع احتياجات العوائل فمن الوحدات صغيرة واخرى متوسطة والثالثة كبيرة المساحة ومن ضمن قاعدة 15م2 لكل شخص وهي قاعدة عالمية لم يتخل عنها البروفسور باج لاقتناعه بها وخاصة ان هذه الوحدات تبنى في منطقة يجب المحافظة على اراضيها لانها في مركز الموصل. وسواء اتفقنا او اختلفنا معه في ذلك، فان هذه الوحدات السكنية تلبي الحاجات الرئيسية للمواطن العائد الى مدينته ومحلته وربما هو الحل الامثل للترشيد في استعمال الارض والمواد ومن اجل بناء اكبر عدد من الوحدات في فترة زمينة قصيرة وبامكانيات مادية معقولة. ونحن نعرف بان البروفيسور باج  Zbigniew’s Bać انسان زاهد في حياته وفلسفته ورؤيته للواقع الانساني السكني وهذا انتاج فكري للعقود الطويلة من الدراسات والابحاث التي قام بها في موضوع السكن العمودي.

في هذا التصميم نتلمس ونرى ونشعر ونحس بالكثير  مما تبقى في ذاكرتنا من تلك الافكار التي كان يرسلها الينا في محاضراته عن الاسكان العمودي في المدن الكبيرة. ومن سيكون افضل منه وهو العارف الاول في بيئة الموصل، ليس الاجتماعية والاسكانية فقط، ولكن ايضا الثقافية والمعمارية فهو قريب من هذه الامكنة التي خصصها تصميمه، فكثيرا ما مر تحت قناطر الموصل القديمة وقام بجولات مع طلبته في ازقتها حيث كان يشجع طلبة الدورات الاولى دائما الاستثمار في استلهام العمارة القديمة الموصلية وتخصيص دراسات معمارية من خلال اطروحات طلبة القسم المعماري في جامعة الموصل، ومنها مشروع تخرج زميلنا المعماري الموصلي المعروف قصي شريف درويش حيث كان مشروعه في تطوير الاسكان في الموصل القديمة.

اضافة الى الحلول المعمارية والانشائية التي تضمنها هذا المشروع المعماري-الفلسفي فانه يهتم ايضا بان يكون هذا التصميم ملائما للبيئة وصديق لها. ان اهمية الاسطوانة الكونكريتية الضخمة في مركز كل برج ليست فقط عنصرا انشائيا ولكنها ايضا عتمل كناقل لجميع الهواء الساخن الذي يتجمع من الوحدات السكنية حولها ومن خلاله يتم نقل هذا الهواء الى السطح الاخضر. اما الواجهة فقد تم دراسة توزيع الشرفات عليها بدقة اضافة الى استعمال كاسرات الشمس الخشبية (المشربيات كما يسميها الاستاذ باج). وبعد التمعن في تفاصيل القشرة الخارجية للابراج، فهي ليست فقط قشرة زجاجية كما نلاحظها غالبا في المشاريع السكنية الحديثة، ولكن تزاوج باستعمال المواد التي تقف وتصد وتمتص وتكسر اشعة الشمس الحارقة، وليس تغليف القشرة بالواح زجاجية كبيرة تزيد من سخونة البيت في الصيف الى درجة عالية يحتاج من يستعملها الى طاقة كهربائية عالية. هنا لم يسمح البروفيسور باج لتصميمه ان يتزحلق نحو عمارة الزجاج والابراج فقط، ولكن اظهر فعلا بان المصمم يجب ان يكون صادقا مع نفسه قبل ان يصمم ابراجا سكنية من اجل الاظهار والانبهار والجمال فقط. هنا لا يستسلم باج ابدا لمطالب السوق الاستثمارية ويبقى امينا على مبدئه الفلسفي بانشاء عمارة سكنية ودودة مع الناس ومع المحيط حولها، اضافة ان يكون لها مقياس انساني في تكوينها المعماري.

ورغم اني حصلت على معلمومات كافية للكتابة حول هذا الموضوع ولكن للتاكد من المعلومات التي كانت بحوزتي قمت مرة اخرى بالتواصل مع الباحثة البولندية الذكية د. دوروتا وهي في تواصل مستمر مع البروفيسور د. باج حيث رغبت في معلومات تكميلية تتعلق بالدوافع التي جعلت البروفيسور د. باج بتصميم هذا المشروع وتفاصيل عن المجموعة التي صممته ومن اية جامعة وخاصة ان البروفيسور د. قد عمل ولغاية عام 2018 في جامعة فورسلاف البولونية من دون انقطاع وله علاقات قوية مع الكادر التدريسي في كلية العمارة ولغاية اليوم. وقد وردني منها اليوم (الخميس 8-10-2020) هذه الرسالة:

“….لقد تحدثت للتو مع البروفيسور باج وبعض المعلومات الجديدة حول المشروع:

اولا: قام بتصميمه المعماري لمشروع الموصل مع فريق يتألف من البروفيسور Janusz Rębielak (أستاذ ومصمم انشائي معروف في بولندا) واثنين من المهندسين المعماريين المبتدئين الذين اعتادوا أن يكونوا مساعديه في الجامعة التقنية في فروتسواف.

ثانيا: سبب قراره المشاركة في هذه المسابقة هو أنه يشعر بالارتباط العاطفي مع مدينة الموصل، كما أنه يبحث عن فرص لتطبيق مفهومه عن الموطن  “HABITAT” لتصميم أماكن سكنية مختلفة في أجزاء مختلفة من العالم بالإضافة إلى أنه كان مهمًا بالنسبة له، إذا كان بإمكانه – حتى بشكل رمزي – المساهمة بطريقة ما في إعادة بناء الموصل التي لا يزال يشعر أنها عزيزة على قلبه.

ثالثا: الفكرة الرئيسية وراء هذا المشروع – عندما رأوا صور الموصل كأكوام من الركام  أرادوا تصميم شيء يمكن أن يلبي الاحتياجات الأولى والأساسية لسكان الموصل التي ستعود إلى ديارهم. لذلك خطط لأربعة مبان سكنية شاهقة مع بعض المباني الخدمية الصغيرة بداخلها والتي يمكن أن تضم الإدارة ورياض الأطفال والخدمات الأساسية الأخرى للسكان. المبنى متواضع، مع شقق صغيرة، حيث كان المقصود به أن يكون نوعًا من المباني التي يمكن أن تلبي الاحتياجات الأساسية للسكان العائدين إلى المدينة ومع ذلك، تستخدم المباني تقنية بناء حديثة (“معلقة على حبال فولاذية”) من أجل تقليل استخدام مواد البناء (التي قد تكون نادرة في فترة ما بعد الحرب) وتقليل الحاجة إلى حفر الأساسات العميقة.

هذا كل شيء ، أتمنى أن يكون مفهومًا – يتمنى لك كل التوفيق وكان سعيدًا جدًا بمعرفة أنك ستكتب عن هذا التصميم.”

ولكي تكون هناك معرفة متكاملة بحيثيات المسابقة المعمارية التي نشرت على موقع Archstorming للمسابقات المعمارية وهي لغاية اليوم موجودة على موقعهم الالكتروني (انظر الرابط رقم 1 ) وسانقل لكم ما جاء في هذه المسابقة:
 

عنوان المسايقة المعمارية: مخيم الموصل بعد الحرب

الهندسة المعمارية بعد الإرهاب

وجدت العمارة عدوًا غريبًا وغير متوقع في تنظيم داعش، الذي دمر ونهب العديد من المباني الدينية والآثار والمواقع الأثرية والأعمال الفنية من ثقافات وديانات مختلفة، والتي يعتبر معظمها مواقع تراث عالمي من قبل اليونسكو.

اللاجئون بعد الحرب ·

أدى القتال الدائر في الموصل (ثاني أكبر مدن العراق) منذ أن اختار تنظيم داعش مسجد النوري الكبير لإعلان الخلافة الإسلامية في عام 2014، العديد من سكانها إلى مغادرة منازلهم بحثًا عن أماكن أكثر أمانًا. وقد تفاقم هذا الوضع المأساوي بشكل كبير بسبب القتال الذي خاضه الجيش العراقي في الأشهر الأخيرة  لسحب السيطرة على المدينة من داعش. لكن بمجرد توقف ضجيج القصف والانفجارات في الموصل، تبدأ الحياة في الظهور مرة أخرى في الشوارع والأحياء مع عودة الآلاف من السكان السابقين الذين أصبحوا لاجئين في مدينتهم. حان الوقت الآن للتفكير في مستقبلهم بعيدًا عن الحرب التي سيطرت على حياتهم في السنوات الأخيرة مع اختفاء الأنقاض واستعادة المدينة حياتها الطبيعية تدريجياً لهذا السبب ، اختارت شركة Archstorming مدينة الموصل لوضع مشروعها الجديد في محاولة لاقتراح الحلول التي من شأنها تخفيف وتخفيف معاناة السكان.

التحدي
تبحث شركة Archstorming عن مقترحات لإنشاء بنية تحتية تستوعب بشكل مؤقت جميع اللاجئين الراغبين في العودة إلى الموصل أثناء إعادة بناء منازلهم واستعادة المدينة ظروفها المعيشية.

تعتبر البنية التحتية حلاً مؤقتًا يستهدف اللاجئين في حالات الطوارئ الإنسانية وإعادتهم كمواطنين مندمجين في المجتمع. لتحقيق ذلك، سيكون هناك مجالان مختلفان. الأول، الذي يسمى المساعدة الإنسانية العاجلة، يُعتقد أنه يستقبل العائدين الجدد ويعتنون بهم. قد تشمل غرف تسجيل الأسرة ولم شملها ، ورعاية الطوارئ الأساسية، وغرفة الرعاية النفسية، والبنى التحتية الضخمة للإسكان، ومناطق التخزين وتوزيع المساعدات الإنسانية (الفرش، والحصير، وطرود الطعام، وما إلى ذلك)، والمقاصف الجماعية، وكذلك أماكن العبادة الدينية والأماكن التي محجوزة للترفيه والرياضة.

المنطقة الثانية، التي تسمى منطقة إعادة دمج المدينة، تهدف إلى إعادة دمج اللاجئين في المجتمع بعد سنوات من الاقتلاع وستسعى جاهدة لمستقبل العائلات بمجرد تلبية احتياجاتها الأساسية الأكثر إلحاحًا في المنطقة الأولى. يجب توفير سكن فردي لكل وحدة عائلية، ومساحة لتعليم القصر والتدريب المهني للكبار، ومركز طبي للرعاية الأولية ، وأماكن عامة للتعايش، وأماكن للعبادة الدينية، ومناطق خضراء، وسوق حيث يمكن للمواطنين الجدد العمل وأفرادهم. مكاتب الأعمال وكذلك خدمة المواطنين لتلقي مطالبهم ومقترحاتهم. (انتهى منشور المسابقة).

والموقع قد نشرخارطة العالم وعليها جميع الدول والجامعات التي شاركت في هذه المسابقة المعمارية حول اعادة استيطان اللاجئين في الموصل وهي عديدة جدا ومن مختلف القارات واكثرها دول اوروبية وامريكا واستراليا والصين وروسيا وجنوب افريقيا واليابان، ولكن الذي يحز في النفس ويبعث الى الحزن والتشاؤم هو عدم اشتراك اية دولة عربية ام حتى من الشرق الاوسط عدا تركيا رغم ان هذه المسابقة عالمية ونشرت في موقع عام للجميع.
المسابقة المعمارية بدأت في 6-12-2017 واعلن عن الفائزين في 3-1-2018 وكانت الجائزة الاولى 4000 يورو واللجنة التحكيمية من بعض المكاتب المعمارية العلامية المشهورة. وجميع التفاصيل في الرابط رقم.  
وفي الموقع نفسه عرضت جميع المشاريع المعمارية التي شاركت في مسابقة الموصل وهي باعتقادي مهمة جدا الان ليطلع عليها طلبة العمارة والاساتذة ليس في اقسام العمارة في العراق ولكن في الدول العربية الاخرى حيث في هذه المشاريع دراسات قيمة عن عمارة ما بعد الحرب.

والان اعرض لكم تفاصيل مشروع مجموعة البروفيسور د. باج الذي قدمه لهذه المسابقة:

مشروع البروفيسور د. باج:
مشروع الوحدة السكنية “HABITAT” هو حل لمشكلة الإسكان للمواطنين العائدين إلى مدينة الموصل الحرة. تقع الوحدة في منطقة دمرتها الحرب وتغطي مساحة 1 هكتار. يتكون المشروع من منطقة سكنية وخدمية.

يستخدم مشروع “HABITAT” الحلول التالية:

تقنية مبتكرة سريعة في نظام برج الأبراج ؛
هيكل التسوية الذاتية على أساس الحبال الفولاذية ؛
الاقتصاد والبناء خفيف الوزن عن طريق إزالة 50-60٪ من الدعامات الهيكلية الثقيلة ؛
المساكن المفتوحة والمرنة ؛
يمكن دمج المبنى مع وظائف مختلفة مثل غرف الخدمة ومرافق الجامعة (6 قاعات تتسع لـ 1200 طالب) أو مدرسة ابتدائية تضم 12 فصلاً دراسيًا

البيئة المحيطة: حدائق ذات أسطح زجاجية لزراعة الخضر وغيرها من قبل السكان ؛
الوصول المنظم لأشعة الشمس إلى الوحدات السكنية عن طريق شاشات المشربية المتنقلة ؛
إخلاء آمن للسكان من خلال الدوران المركزي / اللب الهيكلي والسلم المزدوج ؛
تهوية متقاطعة للوحدات السكنية من خلال اللوجيا والقلب المركزي.

السكن:

يوفر النظام الرباعي الأقصى المفضل للإعداد الحضري أكبر قدر من المساحة للإسكان والخدمات الأساسية. تبلغ مساحة قطعة الأرض الأساسية هكتارًا واحدًا تم بناؤها بواسطة 4 أبراج. يحتوي المبنى على 16 مستوى سكن و 15 م 2 من المساحة السكنية لشخص واحد.

تبلغ مساحة وحدة الإسكان الأساسية 30 م 2 ، 11 وحدة في طابق واحد. 176 وحدة سكنية في مبنى ، إجمالي 704. في عمارة واحدة يسكن 352 مسكونة. في مبنى سكني واحد يعيش 352 ساكنًا ، أي ما يعطينا 1408 نسمة لكل هكتار من الأرض.

الروابط الملحقة:
رابط 1:الشركة او المنصة المعمارية التي نشرت المسابقة
https://www.archstorming.com/info-mpc.html

رابط 2: كتيب مسابقة الموصل:
https://www.archstorming.com/uploads/9/5/7/7/95776966/briefing_mpc.pdf

رابط 3:الجامعة التي يعمل فيها الان البروفيسور د. باج
https://www.uz.zgora.pl/index.php?en

نُشِرت في مقالات, ارشيف قسم العمارة في جامعة الموصل, اساتذة العمارة | الوسوم: , , , | أضف تعليق

المعماري عمار ناجي سرسم

طالب ومشروعان
المعماري عمار ناجي سرسم من طلبة الدورة الثالثة (1980-1985)
عماد رمو
Emad Rammo / هولندا تشرين الاول 2020م

المشروع المعماري التصميمي من فترة الدراسة الجامعية يعتبر الان كنزا ثمينا لشخص مثلي اليوم يبحث فيما تبقى من هذه الكنوز المعمارية التي لولاها لما تمكنا من رسم اية صورة واقعية عن ثلاثة مستويات فكرية: مستوى العمارة حينها من خلال مستوى الاساتذة، ومستوى الطلبة من خلال مشاريعهم التي صمموها اثناء تلك الفترة ومستوى المجتمع العراقي والموصلي خاصة والذي كان يعكس طلبته حقا تلك القيم الانسانية والفكرية والقابليات اللامحدودة وعملهم الدؤوب ونظرتهم المنفتحة والايجابية الى المستقبل رغم اشتداد المعارك على الجبهة الشرقية من الوطن.
ولكن مشروع واحد لا يكفي طبعا لقياس هذه المستويات الثلاث، وخاصة للطالب، حيث من الممكن احيانا ان يكون الطالب مبدعا ومتفوقا في مشروع ما، اما ان يكون نفس الطالب المعماري قد احتفظ بمشروع التخرج (المرحلة الخامسة) ومشروع اخر من (المرحلة الرابعة) فهذا امر نادر الحدوث بين طلبة العقد الاول من قسمنا المعماري في جامعة الموصل.

ولكن المعماري المبدع عمار ناجي سرسم قد احتفظ بمشروعين يستحقان النشر وكتابة مقال تفصيلي عنهما لانهما صمما لمرحلتين مختلفتين ولموضوعين غير متشابهين وتحت اشراف استاذين احدهما من الشرق واخر من الغرب. المشروع الاول والرئيسي طبعا هو مشروع التخرج له حيث صممه عام 1985م من اجل متطلبات اطروحة التخرج وكان تحت اشراف الاستاذ البولوني القدير المرحوم البروفيسور د. يوسف جيرجاك حيث درس احد المراكز المستقبلية في الموصل وصمم فيه مجمع كبير للاسواق والمكاتب. اما المشروع الثاني فقد كان من ضمن متطلبات المرحلة الرابعة 1984م حيث صمم مجمع محاكم كبير لمدينة الموصل وتحت اشراف الاستاذ المعماري الكبير أ. عماد البكري اطال الله بعمره. وفي الجزء الاخير من المقال ساتناول في اهمية هذين المشروعين ونقد وتحليل لهما.
 
الكل يعرف بان ما تبقى من مشاريع طلبة قسم العمارة في جامعة الموصل، وخاصة العقد الاول منه، قليل جدا لاسباب كثيرة منها:  عدم معرفتنا حينها بقيمتها الفكرية والمعمارية والثقافية والتاريخية لذلك لم يكن المحافظة عليها من اولياتنا حينها وخاصة بعد التخرج، عدم توثيقها من قبلنا وخاصة قبل التقديم لاننا كنا تحت ضغط التقديم المعماري ولم يكن يسمح لنا الوقت بتصويرها دائما، لم يتم تعليمنا في الجامعة بضرورة توثيق هذه المشاريع من قبل اساتذتنا، الهجرة والتنقل والحروب التي اطاحت البلد وخاصة مدينة الموصل، واخيرا لم يتعاون القسم معنا كليا في الحفاظ عليها او ارسال اشارة لنا باعادة استلامها. ولو كان لدينا في مدينة الموصل حينها (متحفا) للعمارة لكان قد ساعدنا في تلك المهمة. ولكن من سوء حظنا هو ان الانترنيت والتقنية الرقمية في ارشفة المواد ظهرت لاحقا وليس في ذلك العقد الورقي والكل يعرف بان الورق لا يتحمل تاثيرات الضوء والحرارة والرطوبة المتغيرة بل يجب ان يحفظ في مكان وبيئة معتدلة دائما. ولكن يبدو ان المعماري المبدع عمار سرسم قد وثق اهم مشاريعه عندما كان طالبا في قسم العمارة لجامعة الموصل، وقد انقذنا من مشكلة كبيرة جدا فمشاريعه هذه ولغاية اليوم اعتبرها توثق ليس مستوى الطلبة في القسم فقط، ولكن كفاءة طلبة الدورة الثالثة، والتي يعرفها الكثيرون باسم دورة “عصام محمود سعيد”، ورغم انه لا يفضل الاشارة الى اسمه عندما يتم التكلم عن دورته، ولكن الواقع يقول بان اسمه يراودنا دائما. ورغم ان هذه الدورة اشتهرت بحكماء العمارة وتخرج منها اساتذة كبار جدا في ميزان التعليم الجامعي، ولكن اليوم سنتعرف على شخصية معمارية بارزة من الدورة نفسها اتخذ لنفسه طريق التصماميم المعمارية الشائك وادارة المشاريع الكبيرة في المكاتب الاميركية.

 واثناء كتابتي لمقال موسع عن الدورة الثالثة قبل عدة اشهر (فعلا استغرق اعداده عدة اشهر)، وبعد ان ارسل لي احد ابرز طلبتها المعماري عمار ناجي سرسم صور مشاريعه المعمارية الدراسية للمرحلة الرابعة والخامسة (1984-1985)، حاولت مباشرة الاتصال به من اجل بعض تفاصيلها وما يتذكره عنها وكانت لي مقابلة تلفونية قصيرة (15 دقيقة)، وهذا ما سمح به وقته حينها المكتظ بالعمل ومشاغل الحياة، كان الهدف منها نشر هذا الجزء من ضمن تفاصيل ذلك المقال الذي لاقى نجاحه من نجاح وشهرة وكفاءة هذه الدورة الحكيمة، وبعد ان توصلت بانه ليس بامكاني من نشر هذا الجزء بسبب المساحة المسموحة لي من قبل الفيسبوك، وهي 10000 كلمة فقط، احتفظت به لنشره لاحقا، وكما يقول المثل (القرش الابيض ينفع في اليوم الاسود) وجدت من المفضل عدم تركه، ورغم اهميته، على رف المكتبة، بل نشره بعد انتهى الصيف وايامه الطويلة، وعلى الاقل هنا في اوروبا.
وهذا النص الذي تم اعداده حينها ارفقه كاملا ومن دون تحريف وتغيير رغم عدم امكانيتي من اثبات ذلك، ومصداقيتي التي يرواد البعض الشك فيها في كل ما اكتب وخاصة من قبل (بعض) زملائي واصدقائي وهذا امر جيد كي التزم دائما بقوانين اللعبة المعمارية:

“لا يكتمل المقال عن الدورة الثالثة من دون تقديم وعرض بعض المشاريع الدراسية لهذه الدورة وخاصة لو كانت قد صممت من احد الطلبة البارزين في هذه الدورة الا وهو المعماري عمار ناجي سرسم. وفقط عند ذكر عائلة “سرسم” ترجع ذاكرة القاريء الى الشخصيات المعروفة التي انجبتها هذه العائلة الموصلية وخاصة في مجال الطب والهندسة حيث المعماري معن سرسم (وزير الاسكان قبل الاحتلال الامريكي) كان من الشخصيات المعمارية التي تركت بصمتها في قاطع العمارة العراقية. ولا بد ان اضيف بانه ومع الاسف لم تصلنا من المشاريع الدراسية لهذه الدورة الا القليل منها، حيث فقدت اكثرها بسبب الهجرة والاحتلال وخاصة لطلبة ابناء الموصل فما حل بهم من ترحال وترك لمدينتهم والتنقل تسبب ذلك في فقدان هذا الكنز الثمين الذي ليس بامكاننا اليوم تعويضه، ولكن انقاذ ما تبقى منه وتوثيقه.

المشروع الاول للطالب عمار حينها هو مشروع التخرج والذي اشرف عليه المرحوم البروفيسور د. جيرجاك وكان بعنوان “اسواق ومكاتب” وموقعه في الموصل، في الركن المقابل لحي الكفاءات. واهمية المشروع تاتي من كونه خاتمة المشاريع للطالب حيث يضع الطالب كل ما تعلمه في السنين الاربعة الماضية في هذا المشروع. والمشروع يتكون من مرحلتين، مرحلة دراسة الموقع والجدوى الاقتصادية والتخطيطية منه ثم تحليل الموقع من الناحية الحضرية وعلاقته مع شبكة الطرق والاحياء السكنية والمراكز التجارية حوله وكذلك يتم في هذه المرحلة تحديد وظائف المشروع الرئيسية وكتابة متطلبات وبرنامج المشروع حيث يجب على الطالب التواصل مع الجهات المستفيدة منه وحل مشكلة معمارية في المنطقة.
واهم ثلاثة وظائف في هذا المشروع كانت: السوق المركزي المسقف، السوق المفتوح والمكاتب. ولكن يظل مبنى الاسوق المركزي المسقف هو الرئيسي في هذا المشروع وعليه يتم بناء فكرة وتصميم المشروع.
لقد بنى عمار فكرته المعمارية بحيث تكون ملائمة للموقع  (ص6) من حيث الدخول اليه عن طريق السيارات الشخصية  وتهيأة مكان ملائم لها وخاصة ان المشروع كبير جدا وتوزيعها على جناحي الموقع اضافة الى المناطق الخضراء الواسعة التي صممها حول المبنى. وقد جعل عمار الدخول الى مبنى الاسواق ان يتم عن طريق اربعة محاور رئيسية قسمت الكتلة الرئيسية الى اربعة اجزاء متشابه ولكن غير متناظرة. اما خدمة الاسواق وتجهيزها بالمواد فقد جعل ذلك من خلال طابق السرداب (ص8) لكي لا يزدحم الموقع بالشاحنات الكبيرة ااضفة الى المخازن الكثيرة للاسواق في هذا الطابق.
اما الطابق الارضي للمشروع (ص10) فهو مخصص للمحلات المنفردة حيث بامكان المتبضع من الدخول اليها عن طريق ممرات حولية واسعة تدور حول الاسواق في ثلاثة اجزاء من المبنى، اما الجزء الرابع فقد خصص للاسواق المفتوحة اي مثل الاكشاك المؤقته ومنها ايصا بامكان المتبضع الصعود الى الطوابق الاخرى لمبنى السوق حيث تتوزع عليه المحلات الصغيرة واخرى الكبيرة التي تشغل احد اجزاء المبنى اضافة الى وظائف مثل المطاعم والكافتيريات وحتى مسرح صغير.
اما مبنى المكاتب الادارية (ص16) فصممه عمار بجناحين منفصلين وتربطهما كتلة المصاعد والدرج الرئيسي.
لقد صمم عمار مبنى الاسواق بصورة افقية وعلى مساحة واسعة وقام بتوازنها مع الكتل العمودية للمباني الادارية (ص17) والتي شغلت مساحة قليلة من الموقع الكلي.
الاسلوب المعماري في اظهار هوية المبنى قام باختيار مبدأ الحركة في العمارة والتي كان رائدها بين اساتذتنا البولونيين الراحل البروفيسور د. جيرجاك. حيث نرى بان هذا الاسلوب يظفي جمال على الموقع باكمله ويقدم مناظير خلابة ورائعة من الدوران المعماري والاهم في هذا التصميم هو سيطرة المصمم على المبنى رغم حجمه الكبير ومساحته الواسعة وقد اثبت ذلك عمار من خلال طريقته الواضحة وابداعة في تقنية الاظهار المعماري والمخططات التفصيلية الكثيرة وحتى الانشائية منها في ايجاد حل لسقف المبنى والذي قام باختيار اسلوب ال Space frame للسقوف (ص20) في حين اختار اسلوب الاعمدة الكونكريتية والسقوف الكونكريتية للطوابق الاخرى. لقد اجاد عمار سرسم في تحويل مكان مجهول الهوية الى مكان نصبي ونحتي من خلال هذه الايقونة المعمارية والتي هي جوهرة مشاريعه في القسم ومن خلال هذا المشروع بامكان الفرد من معرفة وتقييم مستوى طلبة الدورة الثالثة. وبعد مناقشة هذا المشروع من قبل اللجنة الامتحانية تم منحه درجة امتياز كتتويج لجهوده المتميزة التي قام بها عمار سرسم.

اما المشروع الثاني المتميز والبديع للزميل-الصديق عمار سرسم فهو مشروع مجمع المحاكم الكبير في مدينة الموصل (ص22 وص 23) وقد صممه في الفصل الاول من الصف الرابع حيث كان باشراف الاستاذ عماد البكري اطال الله بعمره. هذا المشروع تم تصميمه في اسلوب ومدرسة اخرى تختلف كثيرا عن مشروع التخرج الذي كان له وظيفة اخرى مشرف اخر. وظيفة المحاكم هي وظيفة العدالة والسلطة والهيبة والقوة ولكن ايضا يجب ان يكون لها علاقة مع مدينة الموصل التاريخية.
هذا المشروع يتميز بوظيفته الخاصة المتميزة والتي لها علاقة بوظيفة العدالة وخاصة عدم تقاطع حركة القضاة والحكام والمدعي العام وموظفي المحكمة مع حركة المتهمين والناس العاديين. ومن اجل ذلك قام عمار وصديقه عصام محمود، لانه صمم نفس المشروع ايضا، بزيارة القاضي عبد الهادي الجوادي وكتبوا معا برنامج الوظائف التي يحتاجها المبنى وتم الاتفاق على اكثر تفاصيل وعمارة مبنى المحكمة. وقد صمم عمار مشروعه على الطراز المحلي في العمارة، وهو الطراز العربي-الاسلامي من خلال استعمال الكتل ثمانية الاضلاع وكذلك التناظر في عمارة هذا المبنى. ومن اجل الحصول على الاضاءة المناسبة والطبيعية صمم عمار عدة قبب فوق هذه الكتل، اما كتل الدرج العمودية فهي كتل اشبه بابراج القلاع عالية وصماء في الغالب مقارنة مع الكتل الثمانية الشكل والتي تتكرر فيها النوافذ التراثية بتنظيم هاديء وكانه يعزف عمار لنا هنا احد الموشحات الاندلسية. الكتلة المركزية والعالية وهي القاعة الرئيسية تتدلى منها نوافذ رشيقة وضع امامها قطع مشربية لتزداد اصالة هذه العمارة.ومع الاسف ليس لدي الان المخططات الافقية للمبنى ولكن يمكن ادراكه بسهولة تامة من المنظور ومخططات الواجهة. في هذا التصميم النادر لعمارة “عربية-اسلامية-موصلية” لطالب من قسم العمارة في جامعة الموصل يبرهن لنا عمار سرسم بانه اذا ما تم تشجيع الطالب على استلهام هذه العمارة وكان له مشرف قد عاشها وتذوقها فان بامكان طالب العمارة ان يصمم مبان جميلة ولها هويتها المحلية التي نفقدها في الكثير من المشاريع الحديثة والتي اكثرها صممت من دون الاهتمام بالعمارة المحلية.” (انتهى الجزء المخصص لمقال الدورة الثالثة).

لقد روادتني فكرة كتابة هذا المقال بعد لقاءاتي الكثيرة مع مجموعة من طلبة الدورة الثالثة (1980-1985) من خلال الصالون الرقمي الذي يقام كل اسبوع تقريبا، فيه يجتمع اصدقاء هذه الدورة ويسمون انفسهم ب”الحكماء” مع الكثير من الزملاء والضيوف من الدورات الاخرى، وغالبا ما اتخيل بان هجرة هذه الطاقات المبدعة، ومنها المعماري القدير عمار ناجي سرسم حيث يدير ويعمل في مكتبه المعماري في سانتياغو ومع اخرين، وكم يفرحني رؤية انجازاته المعمارية الكثيرة في بيئة لم يتأهل بها ولكن اصبح ضيفا عليها، ورغم تاقلمه مع القواعد الهندسية والمهنية لبلده الجديد اميركا، ولكنه يبقى مهندسا “موصليا-عراقيا” اكمل جميع دراساته في مدارس وجامعات الوطن وكان حلمه وكالكثيرين منا الاستقرار في احدى مدن العراق وتاسيس مكتب معماري فيها، وهذا ما تحقق له ايضا بعد تخرجه وحصوله على الماجستير من جامعة تكنولوجيا/ بغداد واسس ومع ثلاثة من زملائه/اصدقائه وهم جميعا من خريجي جامعة الموصل: عصام محمود سعيد (الدورة الثالثة)، غسان سعيد ومنهل جبرائيل (الدورة الثانية) مكتب هندسي معماري اسمياه مكتب “بناء” حيث عملوا في التسعينات في بغداد في تلك سنوات الحصار الظالمة الى ان قرروا جميعهم الهجرة بعد ان تم تدمير البنية الاقتصادية للوطن بسبب الحصار الظالم التي قادته اميركا المتعجرفة. هذه الطاقات الكبيرة لم يكن بامكان الوطن من احتوائها وتاهيلها من اجل المستقبل لان المستقبل حينها كان مجهولا للجميع.
لقد غادر المعماري عمار ناجي سرسم الوطن ولكن حمل الوطن معه ايضا، وهو بالنسبة له العمل بكفاءة واخلاص واستغلال الزمن وعلمه وفنه من اجل خدمة الانسان وفي اي مكان كان. ان مكتبه الان      architecture Hpi في اميركا ينجز مشاريعا سكنية، تعليمية كبيرة كالمدارس والجامعات وهو القطاع الذي تخصصوا به ويقول عمار سرسم نفسه حول رؤيته للعمارة:
” إنه لأمر رائع بالنسبة لي كيف تؤثر الهندسة المعمارية على حياة الناس. أنا من النوع الذي يستمتع بالجمال والفن … لذلك أنا متحمس لخلق بيئات ومباني تؤثر على الحياة وتعبر عن الجمال كشعور “.

اما وثيقة تعريفه في مكتبه الحالي حيث يقرأ الفرد ما يلي:
” بصفته مديرًا للعمليات، يقود عمار قدرًا كبيرًا من التخطيط والتعليم العالي من رياض الأطفال وحتى التعليم الثانوي، والبرمجة، والتصميم، ووثائق البناء، وإدارة البناء. يتمتع عمار، الذي يحظى باحترام لقيادته وخبرته الفنية، بسجل حافل من النجاح في توجيه فرق HPI من خلال وكالات المراجعة القضائية. يلتزم عمار بإرضاء العميل والعمليات الفعالة والنمو المهني للفريق. انضم عمار إلى HPI كمهندس مشروع في 2003. وقد ازدهر في ثقافة تعزز التعاون وتدعم النمو الفردي. يمثل عمار التزام HPI بـ الخدمة كعامل دافع … تحصل على مشروع أفضل وعميل أكثر سعادة. حصل عمار على درجة الماجستير في الهندسة المعمارية من الجامعة التكنولوجية، بغداد، العراق، وبكالوريوس الهندسة المعمارية من جامعة الموصل، الموصل، العراق.”

العمارة نفسها هي فكر انساني فعال وهذا الفكر يخطو كل يوم خطوات كثيرة من اجل بناء بيئة مريحة للانسان. هذا الفكر بدأ ينضج في عقولنا مذ كنا طلابا في جامعة الموصل في ثماننيات القرن الماضي، كنا صغارا مقارنة باليوم حيث كبرنا جميعا وشيب الزمن شعرنا، هذا اذا بقى شيء منه الان. ومع ذلك فان عقولنا لم يصيبها الصدأ، بل اصبحت تنضح بافكار انسانية خلاقة متواصلة، والعمارة نفسها ليست مهنة عادية كما يتوقع البعض، فنحن لا نبيع المخططات كما يظن البعض، بل انها ايضا رسالة ثقافية دنيوية فكرية انسانية وتجد بان اكثر المعماريين يفكرون في بناء مجتمع تسود فيه الاجواء الهادئة والتي تجعل الانسان يعيش في مكان يليق به وبمن حوله، ومن خلال ما يقرره في حياته المهنية وخاصة مشاركة مع الاخرين عليه ان يكون مبدئيا ووفيا على تلك القيم الفكرية والعلمية التي تعلمها من اساتذته، وهنا في معمار اليوم لابد ان يكون لشخصيتين كبيرتين قد اثرتا على مسيرته المهنية وهما: المرحوم البروفيسور المعماري البولوني د. جيرجاك واستاذ العمارة الكبير الموصلي المشهور الاستاذ عماد البكري اطال الله بعمره. 

من يتابع فقط المستوى المعماري العالي والدقيق والمستقبلي الذي وضعه المعماري عمار ناجي سرسم في هذين التصميمين يجد بان هذه التصاميم لها قيمة فكرية وفلسفية وجمالية ومعمارية وهندسية وتخطيطية عالية جدا واعلى بكثير من مستوى الدراسة والشهادة التي نالها  وبتقدير عال جدا. ان مثل هذه المشاريع لا تتكرر الان ولم اعثر على ما يماثلها او يشابهها في جميع ما تنشره صفحات بعض الاصدقاء من مشاريع التخرج للاقسام المعمارية الكثيرة الحالية التي انتشرت كالفطر في مدن الوطن الكثيرة. من يدقق كثيرا في هذه التصاميم يعثر على معادلة حضرية ومعمارية متكاملة في ما كان يتاهل به خريج قسم العمارة في جامعة الموصل في ثمانينات القرن الماضي. انها حقا شواهد لا تقبل الشك في الجهد الهندسي والمعماري والتقني المدروس جدا الذي بذله المعماري عمار ناجي سرسم في اخراج ما في بودقته الفكرية المعمارية التي كانت تخزن بحق جميع ما يحقق امال اي مصمم جديد. هذه التصاميم قد سبقت زمانها بكثير وخاصة من ناحية التقنية المعمارية والحرفية العالية جدا في تصوير الفضاءات التي صممها لنا عمار في هذا الموقع الكبير. لقد تمكن عمار ومن خلال دراسته العميقة لهذا المشروع وطريقة اظهار فكرته المعمارية والانشائية في سلسلة من المخططات الجميلة والانيقة والمؤثرة بحيث لا يمل المعماري من النظر اليها وهي تستحق حقا ان تحفظ في ذاكرتنا القديمة.

وماذا عن تلك التقنية المعمارية الاصيلة في اظهار مشروع التخرج؟ وخاصة رسم المناظير بهذه الطريقة الرائعة بادخال ودمج جميع تفاصيل الفضاءات في زوايا مناسبة جدا للتعبير على الفضاء العام داخل هذا المجمع الكبير. في حينها لم يكن يعرف الطالب ما هو المول التجاري ولم تسنح له الفرصة لدراسته من خلال المشاريع المنفذة سابقا. ولغاية اليوم يعتبر هذا التصميم قفزة نوعية في تصوير عمارة المباني العامة والتي لم يكن لها وجود متميز في واقعنا المعماري حيث اكثر ما كنا نجد مبان منفصلة عن بعضها تتخللها الشوارع العامة، اما هنا فقد خلق فضاء جديد معقد ومركب ومتنوع وفيه الكثير من الحلول والمشاكل الوظيفية-اللوجستيكية التي تحتاج الى دراسة  شاملة وخاصة ليس فقط تصنيف وتنويع وربط وترتيب هذه الوظائف الكثيرة ولكن كيف تعمل بكفاءة من دون التشويش على اجواء التبضع التي هي عند الفرد اليوم اهم ما يقوم به في عالم اصبح فيه الاستهلاك اهم صفة غالبة عنده.

ان هذا المشروع الكبير ليس في موقعه وبرنامجه الوظيفي فقط، ولكن ايضا في الحلول الانشائية المدروسة جدا والتي تناسب هذه الفضاءات الواسعة الكبيرة، فمن جهة ان مشروع الاسواق يحتاج الى حلول معمارية تناسب مركزه الاقتصادي الكبير في قلب مدينة كبيرة مثل الموصل ولكن بنفس الوقت يحتاج الى حلول انشائية في هيكله الانشائي لم تكن معروفة لنا الا من خلال المشاريع التي كانت تنفذها الشركات الاجنبية في الوطن. ومع ذلك فقد تمكن عمار من الوصول الى تناغم كبير بين الهوية المعمارية لهذا الموقع الكبير وحلوله الانشائية المتطورة الحديثة. لم يترك شيئا لم يبحث عنه عمار في مشروع مجمع الاسواق والمكاتب، لا بل ان مشروعه هذا يعتبر في مقاييس تلك الفترة مشروعا مركبا ومعقدا لطالب ينوي الحصول على شهادة الباكالوريوس فقط. لقد ابدع عمار ومشرفه المرحوم البروفيسور جيرجاك في خلق لؤلؤة معمارية فنية في مدينة تاريخية عريقة.

ومن يتابع مشروع مجمع المحاكم الكبير، ورغم انه لم يبقى منه الا فقط صورتان ومع الاسف، يرى التنوع الفكري الكبير لمصممنا عمار حيث بامكانه ليس فقط من تصميم مشاريع لها صفة الحداثة المعمارية ولكن ايضا مشاريع استلهم فكرتها من العمارة المحلية الموصلية. وهنا الدور الكبير للاستاذ الشهير المعماري عماد البكري، ورغم انه لم يكن حينها من منظري هذا الطراز، الا انه جعل من الانتاج المعماري لاحد طلبته يثبت لنا بانه من الممكن استنباط عمارة مستقبلية متطورة من استلهام عمارة الابنية القديمة في الموصل والتي اكثرها من الفترات المتأخرة لطراز العمارة العثمانية. الكثير من الطلبة حينها لم يكن له اي اهتمام في هذا التوجه بسبب قلة الوعي المعماري المحلي عندهم وكذلك بسبب عدم اعطاء اية اهمية واضحة له في مناهج دراستنا تلك.

اتمنى من جميع الزملاء والاصدقاء الاستمتاع بالاطلاع على تفاصيل هذين المشروعين لزميلنا وصديقنا المعماري عمار ناجي سرسم والنظر اليهما بمنظور عقد الثمانينات من القرن الماضي ومقارنتهما بانتاجات طلبة العمارة اليوم. لقد استمتعت شخصيا في كتابة هذا المقال مرتين: المرة الاولى لاني اكتب، فاني سعيد دائما عندما تجدني بين صدى الكلمات، ومرة اخرى في التجوال البصري الساحر بين اروقة هذه الايقونات المعمارية التي انتجتها العقول المبدعة لطلبة قسم العمارة في جامعة الموصل في عقده الاول، كم هو رائع ان ادخل الى دهاليز ذلك العقد من خلال مشاريع الطلبة فهو سحر له ضوءه الخاص يختلف كثيرا عن الغوص فقط في تاريخ وسيرة الاساتذة والدورات ولكن المشاريع التي صممها طلبة هذا العقد يجب ان يكون لها موقعا كبيرا ومتميزا في ارشيف هذا العقد واتمنى لو كان بامكان زملائي واصدقائي من التعاون معي والمشاركة في هذا الاتجاه في توثيق مسيرة قسمنا من خلال المشاريع المعمارية التي صممت من قبلنا اثناء الدراسة وربما ان فتح هذه الصفحة الجديدة “طالب ومشروعان” سنتمكن من خلالها ايضا نقد اعمالنا وتقييمها وتوثيقها بصورة مباشرة ومن خلال هذه التصاميم ايضا. وهناك الكثير من الاصدقاء والزملاء من احتفظوا بالعديد من صور مشاريعهم الدراسية وهي من اهم المصادر المادية والفكرية والمعمارية والثقافية التي من خلالها سيكون لنا مكتبة بصرية ايضا تلازم مكتبتنا اللغوية ايضا.  انها ايضا دعوة لجميع الاصدقاء والزملاء بالمشاركة مباشرة في رفد هذا التوثيق الذي بدأنا به وقبل عدة اشهر بافكارهم النيرة والواقعية والتطبيقية التي ستساهم في استمرار هذا التوثيق وخاصة انه بامكاننا جميعا من المساهمة الفعالة في ذلك.

غالبا ما استمتع كثيرا بلقاء الاصدقاء والزملاء وخاصة اذا كانت العمارة تجمع شملنا الذي تبعثر وتفتت وتشتت وتفرق ولدي هاجس كبير بان ما نقوم به الان من الرجوع الى تفاصيل حياتنا الطلابية في قسم العمارة لجامعة الموصل له اهميته الشخصية والفردية والاجتماعية لنا ايضا. انا معكم بان التوثيق بحذافيره عمل ممل جدا وفيه تكرار ثقيل وخاصة اذا كان هدفه الوحيد جميع الكثير من المعلومات والحقائق لتلك السنين. يجب علينا جميعا ان نقيم تلك السنين من منظور وسياق الزمن حينها ونعود الى ايامنا التي كانت منضدة الرسم واقلام التحبير واوراق وشيتات الرسم اكثر ما يشغلنا اضافة الى افكارنا وتصوراتنا الفضائية والمكانية والبصرية اللامحدودة في مقياس الزمن اليوم. لقد كان مجتمعا المعماري صغيرا جدا يمثله التيسيكوير وشيتات السكيجات الشفافة التي كانت هي لوحدها تعرفنا بين طلبة الجامعة الاخرين. تصوروا كم لازمتنا منضدة الرسم الخشبية تلك، ليال عديدة وطويلة بحيث كنا نستغرق في الرسم لساعات متاخرة من الليل كانت تنتهي جميع الاذاعات المحلية ولم يكن يبقى لنا تلك الاذاعات الغربية التي كانت تبث الموسيقى الكلاسيكية الهادئة حيث كانت لنا حينها افضل صديقة تلازمنا لغاية شعاع الصباح الاولى، ومع الاسف لم يكن لنا تلك الكاميرات المتطورة مثل اليوم بحيث كنا تلقفنا تلك الصباحات الجميلة بانوارها الهادئة الذي كان يشع على شبابيك غرفنا ونحس بقليل من الامان بعد رهبة الليل الثقيلة القاتلة. واكثر التصاميم الرائعة والرسومات المبدعة كانت تسهر معنا الليل بسكونه الرهيب. هكذا كنا من اشقياء الليل اكثر من اولاد النهار، لا بل كان النهار لنا دائما من اجل الفرح والمرح وحرية اللقاء مع الاخرين اما الليل، واي ليل طبعا، ليل الليالي حيث ليلنا كان يبدأ دائما متاخرا عن ليال الكتاب والشعراء، ليلنا لم يكن من اجل السهر على تنضيد قصيدة لشاعر افقدته احدى فاتنات الجامعة توازنه وظل يرسل لها قصائدا لم يستلم منها حتى ضحكة واحدة، ليلنا لم يكن مثل ليل كاتب ظل يسهر الليالي من اجل ان يستلهم قصة لروايته الجديدة والتي عنونها “تحت ظلال القمر”. ليل المعماري كان منهكا جدا حيث كان عليه احيانا ان يعمل مثل الحصان في الحقل حيث يحرث به ولا ينتهي، هكذا كنا وفي الغالب نبدأ رسم مشاريع الصفوف المنتهية الكبيرة والمركبة والمعقدة  بافكارها التي كانت تسبق عصرها، ليس هذا فقط، بل كان اكثر ما يعكر خلوتنا وتعكفنا وتصوفنا مع هلوسة تلك المشاريع التي اخذت منا اجمل ليال عمرنا التي ليس بامكاننا من تعويضها ابدا، في حين اليوم اصبح الكومبيوتر يرسم لطالب العمارة كل ما يرغب به من دون تفكير او تعكير او تخوف من مشاكل تقنية في الرسم، نحس باننا جيل البورد والتيسيكوير قد ظلمنا حقا واليوم بدأت اثار تلك الليالي التي لا يحصى عددها تاتي بما لا تشتهييه صحتنا، فعيوننا قد فقدت اكثر من نصف بصيرتها وظهورنا تحدبت وتكلست اما اصابعنا فقد بدأت الرجفة بها. هكذا فعلت بنا نحن جيل العمارة الورقية وهذا ما لم تفعله العمارة الرقمية بابنائها.

والسؤال الذي يراودني الان هو كيف تعايش زميلنا وصديقنا عمار ناجي سرسم مع هذه التصاميم وكيف كانت مشاعره وهو يصممها او يرسمها؟ ما هي الطقوس الشخصية التي كانت تلازمه وهو يرسم ويصمم؟ تلك الطقوس واسرار الرسم في الليالي هي اجمل ما تبقى لدينا نحن طلبة هذا القسم الرائع فاذا كان بمقدورنا ان نوثقها ونحللها ونقيمها ونصنفها سيكون لنا نتاجا جماعيا رائعا لانه يحوي على اسرار شخصية مشحونة بعواطف مملوءة بسحر تلك العلاقة الابدية بين الطالب ومشروعه.
هل تعرضنا الى فترات سيطر علينا المشروع وعلى احلامنا وتحركاتنا ولقاءاتنا؟ ام اننا كنا نسيطر عليه قبل ان تاتي فترة التقديم النهائي الحاسمة؟ في تلك الايام كنا ندخل بفترة ما اشبهها اليوم بفترة الانذار النهائي، فكل تقديم نهائي كان معناه الانقطاع التام عن العالم الخارجي، جميع افراد البيت يتسامرون معا ويضحكون ونحن منشغلون فقط برسم الخطوط والمساحات والاشكال والمجسمات، جميع الاصدقاء يلتقون ويتحدثون ويضحكون ونحن في سبات عميق لا ينتهي الا بانتهاء المنظور الخارجي، في تلك الفترة كان ليلنا يصبح نهارا، في فترة التقديم النهائي كنا احيانا ننسى ايام الاسبوع بسبب اختلال الساعة البايلوجية عندنا، هكذا كان المشروع المعماري يسيطر علينا وكان الوقت حينها عدونا الكبير حيث كنا نتمنى لو كان الليل لا ينتهي كي لا يبدأ نهار جديد ويقترب موعد التقديم.
كل منا يتذكر مشاريع سيطر عليها واخرى سيطرت عليه وخاصة انه كل منا صمم العشرات من المشاريع اثناء دراسته المعمارية. تصوروا لو كتب كل منا ليس اكثر من 500 كلمة عن كل مشروع ورؤيته الشخصية وعلاقته معه سيكون لنا جميعا مجلدا كبيرا لمعلومات فكرية وشخصية وفردية لم ترى النور لغاية الىيوم؟ من بامكانه منا ان يتكلم عن تلك الليالي والمشاريع وان يتلو قصصها النادرة؟ هل كانت مشاريع الشتاء اجمل من مشاريع الربيع والخريف؟ اما تلك التي كنا نقدمها قبل الصيف؟

اشكرك يا زميلي وصديقي المعمار عمار سرسم لايقاظ صحوة تلك الليالي فينا، فتصاميمك المعمارية شاهدة على مشاعرنا المعمارية وعلاقتنا الابدية مع فكرة المشروع. اشكرك لانك قدمت لنا بوضوح كيف كان الطالب حينها ينظر الى قدسية المشروع بحيث كان يحفر شيء من مشاعره واحاسيسه بين الخطوط المعمارية لتلك التصاميم. تصاميمك ايقظت بنا صحوة تلك الليالي واليوم وبعد اربعة عقود على تصميمها ورسمها اشم رائحة الحبر الذي رسمت فيه، واسمع انين الاغاني التي كنت تشغل نفسك بمليء فارغ غرفتك الواسعة التي تبعثرت مخططات الرسوم الكثيرة على اركانها، لا بل ان جميع جدرانها اصبحت تحتضن هذه المخططات. تلك الغرف التي احتفظت باسرارنا المعمارية كانت قببها تنظر الينا كل ليل تحس بنا وبضعفنا وتتالم لانها لم يكن ضوء المصباح ينطفأ فيها حيث كانت تلك القبب تسهر معنا ولم يكن لنا صديق يسهر معنا غيرها فجميع افراد البيت والحي والمحلة نائمون والمعماريون منهمكون ليل نهار في تحقيق شخصياتهم الفكرية وهوياتهم الفنية من خلال تلك الخطوط التي اصبحت مثل الخيوط التي تربطنا مع تلك الليال التي سوف لن تتكرر ابدا لانها ليال من تاريخ الانسان القديم الذي كان يعيش فينا كل يوم. لا نحتاج ابدا الى ماكنة الزمن للرجوع الى التاريخ، لان تصاميمنا المعمارية وحدها افضل شاهد للتاريخ.

ارشيف الصور:
ص1: المعماري عمار ناجي سرسم، من ارشيف مكتب HPI
ص4: عمار مع المرحوم البروفيسور البولوني د. جيرجاك عام 1985م / جامعة الموصل
ص5: عمار مع الاستاذ المعماري الموصلي الشهير عماد البكري عام 1985/جامعة الموصل
الصور الاخرى هي لتفاصيل مشاريع عمار ناجي سرسم والتي صممها اثناء دراسته في جامعة الموصل. جميع الصور من ارشيفه الخاص.

نُشِرت في من طلبة العمارة, ارشيف قسم العمارة في جامعة الموصل | الوسوم: , , , | أضف تعليق